فصل: تفسير الآيات رقم (1- 10)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: زاد المسير في علم التفسير ***


سورة الأنبياء

وهي مكية باجماعهم من غير خلاف نعلمه‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 10‏]‏

‏{‏اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ ‏(‏1‏)‏ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ ‏(‏2‏)‏ لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ ‏(‏3‏)‏ قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ‏(‏4‏)‏ بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآَيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ ‏(‏5‏)‏ مَا آَمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ ‏(‏6‏)‏ وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ‏(‏7‏)‏ وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ ‏(‏8‏)‏ ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْنَاهُمْ وَمَنْ نَشَاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ ‏(‏9‏)‏ لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ‏(‏10‏)‏‏}‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏اقترب‏}‏ افتعل، من القُرْب، يقال‏:‏ قَرُبَ الشيء واقترب‏.‏ وهذه الآية نزلت في كفار مكة‏.‏ وقال الزجاج‏:‏ اقترب للناس وقت حسابهم‏.‏ وقيل‏:‏ اللام في قوله‏:‏ ‏{‏للناس‏}‏ بمعنى‏:‏ «مِنْ»‏.‏ والمراد بالحساب‏:‏ محاسبة الله لهم على أعمالهم‏.‏

وفي معنى قُرْبِهِ قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ أنه آتٍ، وكلُّ آتٍ قريبٌ‏.‏

والثاني‏:‏ لأن الزمان لِكثرة ما مضى وقِلَّة ما بقي قريبٌ‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وهُمْ في غفلة‏}‏ أي‏:‏ عمَّا يفعل الله بهم ذلك اليوم ‏{‏معرضون‏}‏ عن التأهُّب له‏.‏ وقيل‏:‏ «اقترب للناس» عامٌّ، والغفلة والإِعراض خاص في الكفار، بدلالة قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ما يأتيهم من ذِكْرٍ من ربهم مُحْدَثٍ‏}‏، وفي هذا الذِّكْر ثلاثة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ أنه القرآن، قاله ابن عباس؛ فعلى هذا تكون الإِشارة بقوله‏:‏ «مُحْدَثٍ» إِلى إِنزاله له، لأنه أُنْزِل شيئاً بعد شيء‏.‏

والثاني‏:‏ أنه ذِكْر من الأذكار، وليس بالقرآن، حكاه أبو سليمان الدمشقي‏.‏ وقال النقاش‏:‏ هو ذِكْر من رسول الله، وليس بالقرآن‏.‏

والثالث‏:‏ أنه رسول الله، بدليل قوله في سياق الآية‏:‏ ‏{‏هل هذا إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكم‏}‏، قاله الحسن ابن الفضل‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِلا استَمَعُوه وهم يلعبون‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ يستمعون القرآن مستهزئين‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لاهيةً قلوبُهم‏}‏ أي‏:‏ غافلةً عما يُراد بهم‏.‏ قال الزجاج‏:‏ المعنى‏:‏ إِلا استمعوه لاعبين لاهيةً قلوبهم؛ ويجوز أن يكون منصوباً بقوله‏:‏ «يلعبون»‏.‏ وقرأ عكرمة، وسعيد بن جبير، وابن أبي عبلة‏:‏ «لاهيةٌ» بالرفع‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وأسرُّوا النَّجوى‏}‏ أي‏:‏ تناجَوا فيما بينهم، يعني المشركين‏.‏ ثم بيَّن مَنْ هم فقال‏:‏ ‏{‏الذين ظَلَمُوا‏}‏ أي‏:‏ أَشْرَكوا بالله‏.‏ و«الذين» في موضع رفع على البدل من الضمير في «وأَسَرُّوا»‏.‏ ثم بيَّن سِرَّهم الذي تناجَوْا به فقال‏:‏ ‏{‏هل هذا إِلا بَشَرٌ مِثْلُكم‏}‏ أي‏:‏ آدميٌّ، فليس بملك؛ وهذا إِنكار لنبوَّته‏.‏ وبعضهم يقول‏:‏ «أسرُّوا» هاهنا بمعنى‏:‏ أظهروا، لأنه من الأضداد‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أفتأتون السِّحر‏}‏ أي‏:‏ أفتقبلون السِّحر ‏{‏وأنتم تعلمون‏}‏ أنه سِحْر‏؟‏‏!‏ يعنون أن متابعة محمد صلى الله عليه وسلم متابعةُ السِّحر‏.‏ ‏{‏قُل ربِّي‏}‏ قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وأبو بكر عن عاصم‏:‏ «قل ربي»‏.‏ وقرأ حمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم‏:‏ «قال ربِّي»، وكذلك هي في مصاحف الكوفيين، وهذا على الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ يعلم القول، أي‏:‏ لا يخفى عليه شيء يقال في السماء والأرض، فهو عالم بما أسررتم‏.‏ ‏{‏بل قالوا‏}‏ قال الفراء‏:‏ رَدَّ ب «بل» على معنى تكذيبهم، وإِن لم يظهر قبله الكلام بجحودهم، لأن معناه الإِخبار عن الجاحدين، وأعلمَ أن المشركين كانوا قد تحيَّروا في أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاختلفت أقوالهم فيه، فبعضهم يقول‏:‏ هذا الذي يأتي به سِحْر، وبعضهم يقول‏:‏ أضغاث أحلام، وهي الأشياء المختلطة تُرى في المنام؛ وقد شرحناها في ‏[‏يوسف‏:‏ 44‏]‏، وبعضهم يقول‏:‏ افتراه، أي‏:‏ اختلقه، وبعضهم يقول‏:‏ هو شاعر فليأتنا بآية كالناقة والعصا، فاقترحوا الآيات التي لا إِمهال بعدها‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ما آمنتْ قبلَهم‏}‏ يعني‏:‏ مشركي مكة ‏{‏مِنْ قرية‏}‏ وصف القرية، والمراد أهلها، والمعنى‏:‏ أن الأمم التي أهلكت بتكذيب الآيات، لم يؤمنوا بالآيات لمَّا أتتهم، فكيف يؤمن هؤلاء‏؟‏‏!‏ وهذه إِشارة إِلى أن الآية لا تكون سبباً للإِيمان، إِلا أن يشاء الله‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وما أرسلنا قبلك إِلا رجالاً‏}‏ هذا جواب قولهم‏:‏ «هل هذا إِلاّ بَشَر مِثْلُكم»‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏نُوحي إِليهم‏}‏ قرأ الأكثرون‏:‏ «يوحَى» بالياء‏.‏ وروى حفص عن عاصم‏:‏ «نُوحي» بالنون‏.‏ وقد شرحنا هذه الآية في ‏[‏النحل‏:‏ 43‏]‏‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وما جعلناهم‏}‏ يعني الرسل ‏{‏جَسَداً‏}‏ قال الفراء‏:‏ لم يقل‏:‏ أجساداً، لأنه اسم الجنس‏.‏ قال مجاهد‏:‏ وما جعلناهم جسداً ليس فيهم روح‏.‏ قال ابن قتيبة‏:‏ ما جعلنا الانبياء قبله أجساداً لا تأكل الطعام لا تموت فنجعله كذلك‏.‏ قال المبرد وثعلب جميعاً‏:‏ العرب إِذا جاءت بين الكلام بجحدين، كان الكلام إِخباراً، فمعنى الآية‏:‏ إِنما جعلناهم جسداً ليأكلوا الطعام‏.‏ قال قتادة‏:‏ المعنى‏:‏ وما جعلناهم جسداً إِلا ليأكلوا الطعام‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ثم صَدَقْناهم الوعدَ‏}‏ يعني‏:‏ الأنبياء أنجزنا وعدهم الذي وعدناهم بإنجائهم وإهلاك مكذِّبيهم ‏{‏فأنجيناهم ومَنْ نشاء‏}‏ وهم الذين صدَّقوهم ‏{‏وأهلكنا المُسْرِفين‏}‏ يعني‏:‏ أهل الشِّرك؛ وهذا تخويف لأهل مكة‏.‏ ثم ذكر منَّته عليهم بالقرآن فقال‏:‏ ‏{‏لقد أنزلنا إِليكم كتاباً فيه ذِكْرُكم‏}‏، وفيه ثلاثة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ فيه شرفكم، قاله أبو صالح عن ابن عباس‏.‏

والثاني‏:‏ فيه دِينكم، قاله الحسن، يعني‏:‏ فيه ما تحتاجون إِليه من أمر دينكم‏.‏

والثالث‏:‏ فيه تذكرة لكم لِمَا تلقَونه من رَجعة أو عذاب، قاله الزجاج‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أفلا تعقلون‏}‏ ما فضَّلْتُكم به على غيركم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏11- 15‏]‏

‏{‏وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آَخَرِينَ ‏(‏11‏)‏ فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ ‏(‏12‏)‏ لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ ‏(‏13‏)‏ قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ ‏(‏14‏)‏ فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ ‏(‏15‏)‏‏}‏

ثم خوَّفهم فقال‏:‏ ‏{‏وكم قصمنا‏}‏ قال المفسرون واللغويون‏:‏ معناه‏:‏ وكم أهلكنا، وأصل القصم‏:‏ الكسر‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏كانت ظالمة‏}‏، أي‏:‏ كافرة، والمراد‏:‏ أهلها‏.‏ ‏{‏فلما أَحَسُّوا بأسنا‏}‏ أي‏:‏ رأَوا عذابنا بحاسَّة البصر ‏{‏إِذا هم منها يَرْكُضون‏}‏ أي‏:‏ يَعْدُون، وأصل الرَّكْض‏:‏ تحريكُ الرِّجلين، يقال‏:‏ رَكَضْتُ الفَرَس‏:‏ إِذا أَعْدَيته بتحريك رِجليكَ فعدا‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لا تَرْكُضوا‏}‏ قال المفسرون‏:‏ هذا قول الملائكة لهم‏:‏ ‏{‏وارجعوا إِلى ما أُترفتم فيه‏}‏ أي‏:‏ إِلى نعَمكم التي أترفتْكم، وهذا توبيخ لهم‏.‏

وفي قوله‏:‏ ‏{‏لعلكم تُسأَلون‏}‏ قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ تُسألون من دنياكم شيئاً، استهزاءً بهم، قاله قتادة‏.‏

والثاني‏:‏ تُسأَلون عن قتل نبيِّكم، قاله ابن السائب‏.‏ فلما أيقنوا بالعذاب ‏{‏قالوا يا ويلنا إِنَّا كنَّا ظالمين‏}‏ بكفرنا، وقيل‏:‏ بتكذيب نبيِّنا‏.‏ ‏{‏فما زالت تلك دعواهم‏}‏، أي‏:‏ ما زالت تلك الكلمة التي هي «يا ويلنا إِنَّا كنَّا ظالمين» قولهم يردِّدونها ‏{‏حتى جعلناهم حصيداً‏}‏ بالعذاب، وقيل‏:‏ بالسيوف ‏{‏خامدين‏}‏، أي‏:‏ ميتين كخمود النار إِذا طُفِئَتْ‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏16- 24‏]‏

‏{‏وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ ‏(‏16‏)‏ لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ ‏(‏17‏)‏ بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ ‏(‏18‏)‏ وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ ‏(‏19‏)‏ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ ‏(‏20‏)‏ أَمِ اتَّخَذُوا آَلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ ‏(‏21‏)‏ لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ ‏(‏22‏)‏ لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ ‏(‏23‏)‏ أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ ‏(‏24‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين‏}‏ أي‏:‏ لم نخلق ذلك عبثاً، إِنما خلقناهما دلالة على قدرتنا ووحدانيَّتِنا ليعتبر الناس بخَلْقه، فيعلموا أن العبادة لا تصلح إِلا لخالقه، لنجازيَ أولياءنا، ونعذِّبَ أعداءنا‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لو أردنا أن نَتَّخذ لهواً‏}‏ في سبب نزولها قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ أن المشركين لما قالوا‏:‏ الملائكة بنات الله والآلهة بناته، نزلت هذه الآية، قاله أبو صالح عن ابن عباس‏.‏

والثاني‏:‏ أن نصارى نجران قالوا‏:‏ إِن عيسى ابن الله، فنزلت هذه الآية، قاله مقاتل‏.‏

وفي المراد باللهو ثلاثة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ الولد، رواه أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال السدي‏.‏ قال الزجاج‏:‏ المعنى‏:‏ لو أردنا أن نتخذ ولداً ذا لهوٍ نُلْهَى به‏.‏

والثاني‏:‏ المرأة، رواه عطاء عن ابن عباس، وبه قال الحسن، وقتادة‏.‏

والثالث‏:‏ اللعب، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لاتَّخذناه من لَدُنَّا‏}‏ قال ابن جريج‏:‏ لاتَّخذنا نساءً أو ولداً من أهل السماء، لا من أهل الأرض‏.‏ قال ابن قتيبة‏:‏ وأصل اللهو‏:‏ الجماع، فكُنِّي عنه باللهو، كما كُنِّيَ عنه بالسِّرِّ، والمعنى‏:‏ لو فعلنا ذلك لاتَّخذناه من عندنا، لأنكم تعلمون أن ولد الرجل وزوجته يكونان عنده، لا عند غيره‏.‏

وفي قوله ‏{‏إِنْ كنا فاعلين‏}‏ قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ أن «إِنْ» بمعنى «ما»، قاله ابن عباس، والحسن، وقتادة‏.‏

والثاني‏:‏ أنها بمعنى الشرط‏.‏ قال الزجاج‏:‏ والمعنى‏:‏ إِن كنا نفعل ذلك، ولسنا ممن يفعله؛ قال‏:‏ والقول الأول قول المفسرين، والثاني‏:‏ قول النحويين، وهم يستجيدون القول الأول أيضاً، لأن «إِنْ» تكون في موضع النفي، إِلا أنَّ أكثر ما تأتي مع اللام، تقول‏:‏ إِن كنت لَصالحاً، معناه‏:‏ ما كنت إِلاَّ صالحاً‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏بل‏}‏ أي‏:‏ دع ذاك الذي قالوا، فإنه باطل ‏{‏نقذف بالحق‏}‏ أي‏:‏ نسلّط الحق وهو القرآن ‏{‏على الباطل‏}‏ وهو كذبهم ‏{‏فَيَدْمَغُهُ‏}‏ قال ابن قتيبة‏:‏ أي‏:‏ يكسره، وأصل هذا إِصابة الدماغ بالضرب، وهو مقتل ‏{‏فإذا هو زاهق‏}‏ أي‏:‏ زائل ذاهب‏.‏ قال المفسرون‏:‏ والمعنى‏:‏ إِنا نبطل كذبهم بما نبيِّن من الحق حتى يضمحلَّ، ‏{‏ولكم الويل مما تَصِفُون‏}‏ أي‏:‏ من وصفكم الله بما لا يجوز ‏{‏وله من في السموات والأرض‏}‏ يعني‏:‏ هم عبيده ومُلْكه ‏{‏ومَنْ عنده‏}‏ يعني‏:‏ الملائكة‏.‏

وفي قوله‏:‏ ‏{‏ولا يَسْتَحْسِرُون‏}‏ ثلاثة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ لا يرجعون، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس‏.‏

والثاني‏:‏ لا ينقطعون، قاله مجاهد‏.‏ وقال ابن قتيبة‏:‏ لا يعيَون، والحَسِر‏:‏ المنقطع الواقف إِعياءً وكلالاً‏.‏

والثالث‏:‏ لا يملُّون، قاله ابن زيد‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لا يَفْتُرون‏}‏ قال قتادة‏:‏ لا يسأَمون‏.‏ وسئل كعب‏:‏ أما يَشْغَلُهم شأن‏؟‏ أما تَشْغَلُهم حاجة‏؟‏ فقال للسائل‏:‏ يا ابن أخي، جُعل لهم التسبيحُ كما جُعل لكم النَّفَسُ، ألستَ تأكل وتشرب وتقوم وتجلس وتجيء وتذهب وتتكلم وأنت تتنفس‏؟‏‏!‏ فكذلك جُعل لهم التسبيح‏.‏

ثم إِن الله تعالى عاد إِلى توبيخ المشركين فقال‏:‏ ‏{‏أم اتَّخَذوا آلهة من الأرض‏}‏ لأن أصنامهم من الأرض هي، سواء كانت من ذهب أو فضة أو خشب أو حجارة ‏{‏هُمْ‏}‏ يعني‏:‏ الآلهة ‏{‏يُنْشِرون‏}‏ أي‏:‏ يُحْيُون الموتى‏.‏ وقرأ الحسن‏:‏ «يَنشُرون» بفتح الياء وضم الشين‏.‏ وهذا استفهام بمعنى الجحد، والمعنى‏:‏ ما اتخذوا آلهة تَنْشُر ميتاً‏.‏ ‏{‏لو كان فيهما‏}‏ يعني‏:‏ السماء والأرض ‏{‏آلهةٌ‏}‏ يعني‏:‏ معبودين ‏{‏إِلا الله‏}‏ قال الفراء‏:‏ سوى الله‏.‏ وقال الزجاج‏:‏ غير الله‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لفَسَدَتَا‏}‏ أي‏:‏ لخربتا وبطلتا وهلكَ من فيهما، لوجود التمانع بين الآلهة، فلا يجري أمر العالَم على النظام، لأن كل أمر صدر عن اثنين فصاعداً لم يَسْلَم من الخلاف‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لا يُسأَل عمَّا يَفْعَل‏}‏ أي‏:‏ عمَّا يَحْكُم في عباده من هدي وإِضلال، وإِعزاز وإِذلال، لأنه المالك للخلق، والخلق يُسأَلون عن أعمالهم؛ لأنهم عبيد يجب عليهم امتثال أمر مولاهم، ولمَّا أبطل عز وجل أن يكون إِله سواه من حيث العقل بقوله‏:‏ ‏{‏لفسدتا‏}‏، أبطل ذلك من حيث الأمر فقال‏:‏ ‏{‏أم اتَّخَذوا من دونه آلهة‏}‏ وهذا استفهام إِنكار وتوبيخ ‏{‏قل هاتوا برهانكم‏}‏ على ما تقولون، ‏{‏هذا ذِكْر مَنْ معي‏}‏ يعني‏:‏ القرآن خبر مَن معي على ديني ممن يتبعني إِلى يوم القيامة بمالهم من الثواب على الطاعة والعقاب على المعصية ‏{‏وذِكْر مَنْ قبلي‏}‏ يعني‏:‏ الكتب المنزلة، والمعنى‏:‏ هذا القرآن، وهذه الكتب التي أُنزلت قبله، فانظروا هل في واحد منها أن الله أمر باتخاذ إِله سواه‏؟‏ فبطل بهذا البيان جواز اتخاذ معبود غيره من حيث الأمر به‏.‏ قال الزجاج‏:‏ قيل لهم‏:‏ هاتوا برهانكم بأن رسولاً من الرسل أخبر أُمَّته بأن لهم إلهاً غير الله‏!‏‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏بل أكثرهم‏}‏ يعني‏:‏ كفار مكة ‏{‏لا يعلمون الحقَّ‏}‏ وفيه قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ أنه القرآن، قاله ابن عباس‏.‏

والثاني‏:‏ التوحيد، قاله مقاتل‏.‏ ‏{‏فهم مُعْرِضُون‏}‏ عن التفكُّر والتأمُّل وما يجب عليهم من الإِيمان‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏25- 29‏]‏

‏{‏وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ‏(‏25‏)‏ وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ ‏(‏26‏)‏ لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ ‏(‏27‏)‏ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ ‏(‏28‏)‏ وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ ‏(‏29‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏مِنْ رسولٍ إِلا نوحِى‏}‏ قرأ حمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم‏:‏ «إِلا نوحي» بالنون؛ والباقون بالياء‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وقالوا اتَّخَذ الرحمن ولداً‏}‏ في القائلين لهذا قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ أنهم مشركو قريش، قاله ابن عباس‏.‏ وقال ابن إِسحاق‏:‏ القائل لهذا النضر بن الحارث‏.‏

والثاني‏:‏ أنهم اليهود، قالوا‏:‏ إِن الله صاهر الجن فكانت منهم الملائكة، قاله قتادة‏.‏ فعلى القولين، المراد بالولد‏:‏ الملائكة، وكذلك المراد بقوله‏:‏ ‏{‏بل عباد مُكْرَمون‏}‏، والمعنى‏:‏ بل عباد أكرمهم الله واصطفاهم، ‏{‏لا يسبقونه بالقول‏}‏، أي‏:‏ لا يتكلَّمون إِلا بما يأمرهم به‏.‏ وقال ابن قتيبة‏:‏ لا يقولون حتى يقول، ثم يقولون عنه، ولا يعملون حتى يأمرهم‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يعلم ما بين أيديهم‏}‏ أي‏:‏ ما قدَّموا من الأعمال ‏{‏وما خَلْفَهم‏}‏ ما هم عاملون، ‏{‏ولا يشفعون‏}‏ يوم القيامة، وقيل‏:‏ لا يستغفرون في الدنيا ‏{‏إِلا لِمَن ارتضى‏}‏ أي‏:‏ لِمَن رضي عنه، ‏{‏وهم مِنْ خشيته‏}‏ أي‏:‏ من خشيتهم منه، فأضيف المصدر إِلى المفعول، ‏{‏مُشْفِقون‏}‏ أي‏:‏ خائفون‏.‏ وقال الحسن‏:‏ يرتعدون‏.‏ ‏{‏ومَنْ يَقُل منهم‏}‏ أي‏:‏ من الملائكة‏.‏ قال الضحاك في آخرين‏:‏ هذه خاصة لإِبليس، لم يَدْعُ أحد من الملائكة إِلى عبادة نفسه سواه، قال أبو سليمان الدمشقي‏:‏ وهذا قول من قال إِنه من الملائكة، فإن إِبليس قال ذلك للملائكة الذين هبطوا معه إِلى الأرض، ومن قال‏:‏ إِنه ليس من الملائكة، قال‏:‏ هذا على وجه التهديد، وما قال أحد من الملائكة ذلك‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏30- 33‏]‏

‏{‏أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ ‏(‏30‏)‏ وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ ‏(‏31‏)‏ وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آَيَاتِهَا مُعْرِضُونَ ‏(‏32‏)‏ وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ‏(‏33‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أولم ير الذين كفروا‏}‏ أي‏:‏ أولم يعلموا‏.‏ وقرأ ابن كثير‏:‏ «ألم ير الذين كفروا» بغير واو بين الألف واللام، وكذلك هي في مصاحف أهل مكة، ‏{‏أنَّ السموات والأرض كانتا رَتْقاً ففتقناهما‏}‏ قال أبو عبيدة‏:‏ السموات جمع، والأرض واحدة، فخرجت صفة لفظ الجمع على لفظ صفة الواحد والعرب تفعل هذا إِذا أشركوا بين جمع وبين واحد؛ والرَّتْق مصدر يوصف به الواحد والاثنان والجمع والمذكر والمؤنث سواء، ومعنى الرَّتْق‏:‏ الذي ليس فيه ثقب‏.‏ قال الزجاج‏:‏ المعنى‏:‏ كانتا ذواتَي رَتْق، فجعلهما ذوات فتق، وإِنما لم يقل‏:‏ «رَتْقَيْنِ» لأن الرَّتق مصدر‏.‏

وللمفسرين في المراد به ثلاثة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ أن السموات كانت رَتْقاً لا تُمْطِر، وكانت الأرض رَتْقاً لا تُنْبِت، ففتق هذه بالمطر، وهذه بالنبات‏.‏ رواه عبد الله بن دينار عن ابن عباس، وبه قال عطاء، وعكرمة، ومجاهد في رواية، والضحاك في آخرين‏.‏

والثاني‏:‏ أن السموات والأرض كانتا ملتصقتين، ففتقهما الله تعالى، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال الحسن، وسعيد بن جبير، وقتادة‏.‏

والثالث‏:‏ أنَّه فَتق من الأرض ست أرضين فصارت سبعاً، ومن السماء ست سموات فصارت سبعاً، رواه السدي عن أشياخه، وابن أبي نجيح عن مجاهد‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وجَعَلْنَا من الماء كلَّ شيء حيٍّ‏}‏ وقرأ معاذ القارئ، وابن أبي عبلة، وحميد بن قيس‏:‏ «كلَّ شيء حيّاً» بالنصب‏.‏

وفي هذا الماء قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ أنه الماء المعروف، والمعنى‏:‏ جعلنا الماء سبباً لحياة كل حيٍّ، قاله الأكثرون‏.‏

والثاني‏:‏ أنه النُّطفة، قاله أبو العالية‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وجعلنا في الأرض رواسي‏}‏ قد فسرناه في ‏[‏النحل 15‏]‏‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وجعلنا فيها‏}‏ أي‏:‏ في الرواسي ‏{‏فِجَاجاً‏}‏، قال أبو عبيدة‏:‏ هي المسالك‏.‏ قال الزجاج‏:‏ الفِجَاج جمع فَجّ، وهو كل منخَرق بين جبلين، ومعنى ‏{‏سُبُلاً‏}‏ طرقاً‏.‏ قال ابن عباس‏:‏ جعلنا من الجبال طُرُقاً كي تهتدوا إِلى مقاصدكم في الأسفار‏.‏ قال المفسرون‏:‏ وقوله‏:‏ «سبلاً» تفسير للفِجَاج، وبيان أن تلك الفِجَاج نافذة مسلوكة، فقد يكون الفَجُّ غير نافذ‏.‏ ‏{‏وجعلنا السماء سقفاً‏}‏ أي‏:‏ هي للأرض كالسقف‏.‏

وفي معنى ‏{‏محفوظاً‏}‏ قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ بالنجوم من الشياطين، قاله أبو صالح عن ابن عباس‏.‏

والثاني‏:‏ محفوظاً من الوقوع إِلا باذن الله، قاله الزجاج‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وهُمْ‏}‏ يعني‏:‏ كفار مكة ‏{‏عن آياتها‏}‏ أي‏:‏ شمسها وقمرها ونجومها، قال الفراء‏:‏ وقرأ مجاهد‏:‏ «عن آيتها» فوحَّده، فجعل السماء بما فيها آية؛ وكلٌّ صوابٌ‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏كلٌّ‏}‏ يعني‏:‏ الطوالع ‏{‏في فَلَك‏}‏ قال ابن قتيبة‏:‏ الفَلَك‏:‏ مدار النجوم الذي يضمُّها، وسمَّاه فَلَكاً، لاستدارته‏.‏ ومنه قيل‏:‏ فَلْكَة المِغْزَل، وقد فَلكَ ثَدْيُ المرأة‏.‏ قال أبو سليمان‏:‏ وقيل‏:‏ إِن الفَلَك كهيئة الساقية من ماء مستديرة دون السماء وتحت الأرض، فالأرض وسطها، والشمس والقمر والنجوم والليل والنهار يجرون في الفَلَك، وليس الفَلَك يُديرها‏.‏ ومعنى «يَسْبَحون»‏:‏ يَجْرُون‏.‏ قال الفراء‏:‏ لمَّا كانت السِّباحة من أفعال الآدميين، ذُكِرَتْ بالنون، كقوله‏:‏ ‏{‏رأيتُهم لي ساجدين‏}‏ ‏[‏يوسف‏:‏ 4‏]‏، لأن السجود من أفعال الآدميين‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏34- 36‏]‏

‏{‏وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ ‏(‏34‏)‏ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ ‏(‏35‏)‏ وَإِذَا رَآَكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آَلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ ‏(‏36‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وما جعلنا لِبَشَرٍ مِنْ قبلك الخُلْدَ‏}‏ سبب نزولها أن ناساً قالوا‏:‏ إِن محمداً لا يموت، فنزلت هذه الآية، قاله مقاتل‏.‏ ومعنى الآية‏:‏ ما خلَّدنا قبلكَ أحداً من بني آدم؛ والخُلْد‏:‏ البقاء الدائم‏.‏ ‏{‏أفإن مِتَّ فَهُمُ الخالدون‏}‏ يعني‏:‏ مشركي مكة، لأنهم قالوا‏:‏ ‏{‏نتربَّص به ريب المنون‏}‏ ‏[‏الطور‏:‏ 30‏]‏‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ونبلُوكم بالشرِّ والخير‏}‏ قال ابن زيد‏:‏ نختبركم بما تحبُّون لننظر كيف شكركم، وبما تكرهون لننظر كيف صبركم‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإِلينا يُرْجَعون‏}‏ ‏[‏قرأ ابن عامر‏:‏ «تَرجعون» بتاء مفتوحة‏.‏ وروى ابن عباس عن أبي عمرو‏:‏ «يُرجعون»‏]‏ بياء مضمومة‏.‏ وقرأ الباقون بتاء مضمومة‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإِذا رآكَ الذين كَفَروا‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ يعني المستهزئين، وقال السدي‏:‏ نزلت في أبي جهل، مَرَّ به رسول الله، فضحك وقال‏:‏ هذا نَبيُّ بني عبد مناف‏.‏ و«إِن» بمعنى «ما» ومعنى ‏{‏هُزُواً‏}‏ مهزوءاً به ‏{‏أهذا الذي يَذْكُر آلهتكم‏}‏ أي‏:‏ يعيب أصنامكم، وفيه إِضمار «يقولون»، ‏{‏وهم بِذِكْر الرحمن هم كافرون‏}‏ وذلك أنهم قالوا‏:‏ ما نعرف الرحمن، فكفروا بالرحمن‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏37- 41‏]‏

‏{‏خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آَيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ ‏(‏37‏)‏ وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ‏(‏38‏)‏ لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ ‏(‏39‏)‏ بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ ‏(‏40‏)‏ وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ‏(‏41‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏خُلِقَ الإِنسانُ من عَجَلٍ‏}‏ وقرأ أبو رزين العُقيلي، ومجاهد، والضحاك‏:‏ «خَلَقَ الإنسانَ» بفتح الخاء واللام ونصب النون‏.‏ وهذه الآية نزلت حين استعجلت قريش بالعذاب‏.‏

وفي المراد بالإِنسان هاهنا ثلاثة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ النضر بن الحارث، وهو الذي قال‏:‏ ‏{‏اللهم إِن كان هذا هو الحقَّ من عندك‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية ‏[‏الانفال‏:‏ 32‏]‏، رواه عطاء عن ابن عباس‏.‏

والثاني‏:‏ آدم عليه السلام، قاله سعيد بن جبير، والسدي في آخرين‏.‏

والثالث‏:‏ أنه اسم جنس، قاله علي بن أحمد النيسابوري؛ فعلى هذا يدخل النضر ابن الحارث وغيره في هذا وإِن كانت الآية نزلت فيه‏.‏

فأمَّا من قال‏:‏ أُرِيدَ به آدم، ففي معنى الكلام قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ أنه خُلق عجولاً، قاله الأكثرون‏.‏ فعلى هذا يقول‏:‏ لما طُبع آدم على هذا المعنى، وُجد في أولاده، وأورثهم العَجَل‏.‏

والثاني‏:‏ خُلق بعَجَل، استَعجل بخَلْقه قبل غروب الشمس من يوم الجمعة، وهو آخر الأيام الستة، قاله مجاهد‏.‏

فأما من قال‏:‏ هو اسم جنس، ففي معنى الكلام قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ خُلِقَ عَجُولاً؛ قال الزجاج‏:‏ خوطبت العرب بما تعقل، والعرب تقول للذي يكثر منه اللعب‏:‏ إِنما خُلقتَ من لَعِب، يريدون المبالغة في وصفه بذلك‏.‏

والثاني‏:‏ أن في الكلام تقديماً وتأخيراً، والمعنى‏:‏ خُلقتِ العجلة في الإِنسان، قاله ابن قتيبة‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏سأُريكم آياتي‏}‏ فيه قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ ما أصاب الأمم المتقدِّمة؛ والمعنى‏:‏ إِنكم تسافرون فترون آثار الهلاك في الماضين، قاله ابن السائب‏.‏

والثاني‏:‏ أنها القتل ببدر، قاله مقاتل‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فلا تستعجلون‏}‏ أثبت الياء في الحالين يعقوب‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ويقولون متى هذا الوعد‏}‏ يعنون‏:‏ القيامة‏.‏ ‏{‏لو يعلم الذين كفروا‏}‏ جوابه محذوف، والمعنى‏:‏ لو علموا صدق الوعد ما استعجلوا، ‏{‏حين لا يكفُّون‏}‏ أي‏:‏ لا يدفعون ‏{‏عن وجوههم النار‏}‏ إِذا دخلوا ‏{‏ولا عن ظهورهم‏}‏ لإِحاطتها بهم ‏{‏ولا هم يُنصَرون‏}‏ أي‏:‏ يُمنَعون مما نزل بهم، ‏{‏بل تأتيهم‏}‏ يعني‏:‏ الساعة ‏{‏بغتةً‏}‏ فجأَةً ‏{‏فَتَبْهَتُهم‏}‏ تحيِّرهم؛ وقد شرحنا هذا عند قوله‏:‏ ‏{‏فبُهت الذي كفر‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 258‏]‏، ‏{‏فلا يستطيعون ردَّها‏}‏ أي‏:‏ صرفها عنهم، ولا هم يُمْهَلون لتوبة أو معذرة‏.‏ ثم عزّى نبيّه، فقال‏:‏ ‏{‏ولقد استهزئ برسل من قبلك‏}‏ أي‏:‏ كما فعل بك قومك ‏{‏فحاق‏}‏ أي نزل ‏{‏بالذين سَخِروا منهم‏}‏ أي‏:‏ من الرسل ‏{‏ما كانوا به يستهزؤون‏}‏ يعني‏:‏ العذاب الذي كانوا استهزؤوا به‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏42- 45‏]‏

‏{‏قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ ‏(‏42‏)‏ أَمْ لَهُمْ آَلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلَا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ ‏(‏43‏)‏ بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلَاءِ وَآَبَاءَهُمْ حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ ‏(‏44‏)‏ قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنْذَرُونَ ‏(‏45‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قل من يكلؤكم‏}‏ المعنى‏:‏ قل لهؤلاء المستعجِلين بالعذاب‏:‏ من يحفظكم من بأس الرحمن إِن أراد إِنزاله بكم‏؟‏‏!‏ وهذا استفهام إِنكار، أي‏:‏ لا أحد يفعل ذلك، ‏{‏بل هم عن ذِكْر ربِّهم‏}‏ أي‏:‏ عن كلامه ومواعظِهِ ‏{‏مُعْرِضون‏}‏ لا يتفكَّرون ولا يعتبرون‏.‏ ‏{‏أم لهم آلهة تمنعهم من دوننا‏}‏ فيه تقديم وتأخير، وتقديره‏:‏ أم لهم آلهة من دوننا تمنعهم‏؟‏ وهاهنا تم الكلام‏.‏ ثم وصف آلهتهم بالضعف، فقال‏:‏ ‏{‏لا يستطيعون نصر أنفسهم‏}‏ والمعنى‏:‏ من لا يقدر على نصر نفسه عمّا يُراد به، فكيف ينصُر غيره‏؟‏‏!‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولا هم‏}‏ في المشار إِليهم قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ أنهم الكفار وهو قول ابن عباس‏.‏

والثاني‏:‏ أنهم الأصنام، قاله قتادة‏.‏

وفي معنى ‏{‏يُصْحَبُونَ‏}‏ أربعة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ يُجارُون، رواه العوفي عن ابن عباس‏.‏ قال ابن قتيبة‏:‏ والمعنى‏:‏ لا يجيرهم منَّا أحدٌ، لأن المجير صاحب لجاره‏.‏

والثاني‏:‏ يُمنعون، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس‏.‏

والثالث‏:‏ يُنصرون، قاله مجاهد‏.‏

والرابع‏:‏ لا يُصحبون بخير، قاله قتادة‏.‏

ثم بيَّن اغترارهم بالإِمهال، فقال‏:‏ ‏{‏بل متَّعنا هؤلاء وآباءَهم‏}‏ يعني أهل مكة ‏{‏حتى طال عليهم العُمُر‏}‏ فاغترُّوا بذلك، ‏{‏أفلا يرون أنا نأتي الأرض نَنْقُصُها من أطرافها‏}‏ قد شرحناه في ‏[‏الرعد‏:‏ 41‏]‏، ‏{‏أفَهُمُ الغالبون‏}‏ أي‏:‏ مع هذه الحال، وهو نقص الأرض، والمعنى‏:‏ ليسوا بغالبين، ولكنَّهم المغلوبون‏.‏ ‏{‏قل إِنما أُنذرِكُم‏}‏ أي‏:‏ أُخَوِّفكم ‏{‏بالوحي‏}‏ أي‏:‏ بالقرآن، والمعنى‏:‏ إنني ما جئتُ به من تلقاء نفسي، إنِما أُمِرْتُ فبلَّغتُ، ‏{‏ولا يسمع الصُّمُّ الدُّعاءَ‏}‏ وقرأ ابن عامر‏:‏ «ولا تُسْمِعُ» بالتاء مضمومة «الصُّمَّ» نصباً‏.‏ وقرأ ابن يعمر، والحسن‏:‏ «ولا يُسْمَعُ» بضم الياء وفتح الميم «الصُّمُّ» بضم الميم‏.‏ شبَّه الكفار بالصُمّ الذين لا يسمعون نداء مناديهم؛ ووجه التشبيه أن هؤلاء لم ينتفعوا بما سمعوا، كالصُمِّ لا يفيدهم صوت مناديهم‏.‏ ‏{‏ولئن مسَّتهم‏}‏ أي‏:‏ أصابتهم ‏{‏نَفْحَةٌ‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ طرف‏.‏ وقال الزجاج‏:‏ المراد أدنى شيء من العذاب، ‏{‏ليقولُنَّ ياويلنا‏}‏ والويل ينادي به كلُّ من وقع في هلَكة‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏46- 47‏]‏

‏{‏وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ ‏(‏46‏)‏ وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ ‏(‏47‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ونضعُ الموازينَ القِسْطَ‏}‏ قال الزجاج‏:‏ المعنى‏:‏ ونضع الموازين ذوات القسط، والقسط‏:‏ العدل، وهو مصدر يوصف به، يقال‏:‏ ميزان قسط، وميزانان قسط، وموازين قسط‏.‏ قال الفراء‏:‏ القسط من صفة الموازين وإِن كان موحَّداً، كما تقول‏:‏ أنتم عدل، وأنتم رضىً‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏ليوم القيامة‏}‏ و«في يوم القيامة» سواء‏.‏ وقد ذكرنا الكلام في الميزان في أول ‏[‏الأعراف‏:‏ 8‏]‏‏.‏

فإن قيل‏:‏ إِذا كان الميزان واحداً، فما المعنى بذكر الموازين‏؟‏

فالجواب‏:‏ أنه لما كانت أعمال الخلائق توزن وزنةً بعد وزنة، سمِّيت موازين‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فلا تُظْلَم نفس شيئاً‏}‏ أي‏:‏ لا يُنْقَص محسن من إِحسانه، ولا يُزاد مسيء على إِساءته ‏{‏وإِن كان مثقالَ حَبَّة‏}‏ أي‏:‏ وزن حبة‏.‏ وقرأ نافع‏:‏ «مثقالُ» برفع اللام‏.‏ قال الزجاج‏:‏ ونصب «مثقالَ» على معنى‏:‏ وإِن كان العمل مثقال حبة‏.‏ وقال أبو علي الفارسي‏:‏ وإِن كان الظُّلامة مثقال حبة، لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شيئاً‏}‏‏.‏ قال‏:‏ ومن رفع، أسند الفعل إِلى المثقال، كما أسند في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإِن كان ذو عُسْرة‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 280‏]‏‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أتينا بها‏}‏ أي‏:‏ جئنا بها‏.‏ وقرأ ابن عباس، ومجاهد، وحميد‏:‏ «آتينا» ممدودة، أي‏:‏ جازينا بها‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وكفى بنا حاسبين‏}‏ قال الزجاج‏:‏ هو منصوب على وجهين، أحدهما‏:‏ التمييز، والثاني‏:‏ الحال‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏48- 50‏]‏

‏{‏وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ ‏(‏48‏)‏ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ ‏(‏49‏)‏ وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ ‏(‏50‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان‏}‏ فيه ثلاثة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ أنه التوارة التي فرَّق بها بين الحلال والحرام، قاله مجاهد، وقتادة‏.‏

والثاني‏:‏ البرهان الذي فرق به بين حق موسى وباطل فرعون، قاله ابن زيد‏.‏

والثالث‏:‏ النصر والنجاة لموسى، وإِهلاك فرعون، قاله ابن السائب‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وضياءً‏}‏ روى عكرمة عن ابن عباس أنه كان يرى الواو زائدة؛ قال الزجاج‏:‏ وكذلك قال بعض النحويين أن المعنى‏:‏ الفرقان ضياء، وعند البصرين‏:‏ أن الواو لا تُزاد ولا تأتي إِلا بمعنى العطف، فهي هاهنا مثل قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فيها هدىً ونورٌ‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 44‏]‏‏.‏ قال المفسرون‏:‏ والمعنى أنهم استضاؤوا بالتوراة حتى اهتدَوا بها في دينهم‏.‏ ومعنى قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وذِكْراً للمتَّقين‏}‏ أنهم يذكرونه ويعملون بما فيه‏.‏ ‏{‏الذين يخشون ربَّهم بالغيب‏}‏ فيه أربعة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ يخافونه ولم يرَوه، قاله الجمهور‏.‏

والثاني‏:‏ يخشَون عذابه ولم يروه، قاله مقاتل‏.‏

والثالث‏:‏ يخافونه من حيث لا يراهم أحد، قاله الزجاج‏.‏

والرابع‏:‏ يخافونه إِذا غابوا عن أعين الناس كخوفهم إِذا كانوا بين الناس، قاله أبو سليمان الدمشقي‏.‏ ثم عاد إِلى ذِكْر القرآن، فقال‏:‏ ‏{‏وهذا‏}‏ يعني‏:‏ القرآن ‏{‏ذِكْرٌ‏}‏ لمن تذكَّر به، وعظة لمن اتَّعظ ‏{‏مباركٌ‏}‏ أي‏:‏ كثير الخير ‏{‏أفأنتم‏}‏ يا أهل مكة ‏{‏له مُنْكِرون‏}‏ أي‏:‏ جاحدون‏؟‏‏!‏ وهذا استفهام توبيخ‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏51- 58‏]‏

‏{‏وَلَقَدْ آَتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ ‏(‏51‏)‏ إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ ‏(‏52‏)‏ قَالُوا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ ‏(‏53‏)‏ قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ‏(‏54‏)‏ قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ ‏(‏55‏)‏ قَالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ ‏(‏56‏)‏ وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ ‏(‏57‏)‏ فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ ‏(‏58‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولقد آتينا إِبراهيم رُشْدَهُ‏}‏ أي‏:‏ هُداه ‏{‏مِنْ قَبْلُ‏}‏ وفيه ثلاثة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ من قبل بلوغه، قاله أبو صالح عن ابن عباس‏.‏

والثاني‏:‏ آتيناه ذلك في العِلْم السابق، قاله الضحاك عن ابن عباس‏.‏

والثالث‏:‏ مِنْ قَبْل موسى وهارون، قاله الضحاك‏.‏ وقد أشرنا إِلى قصة إِبراهيم في ‏[‏الأنعام‏:‏ 75‏]‏‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وكُنَّا به عالِمين‏}‏ أي‏:‏ علمنا أنه موضع لإِيتاء الرُّشد‏.‏ ثم بيَّن متى آتاه فقال‏:‏ ‏{‏إِذ قال لأبيه وقومه ما هذه التماثيل‏}‏ يعني‏:‏ الأصنام‏.‏ والتمثال‏:‏ اسم للشيء المصنوع مشبَّهاً بِخَلْق من خَلْق الله تعالى، وأصله من مثَّلث الشيء بالشيء‏:‏ إِذا شبَّهته به‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏التي أنتم لها‏}‏ أي‏:‏ على عبادتها ‏{‏عاكفون‏}‏ أي‏:‏ مقيمون، فأجابوه أنهم رأوا آباءهم يعبدونها فاقتدَوا بهم، فأجابهم بأنهم فيما فعلوا وآباءَهم في ضلال مبين، ‏{‏قالوا أجئتنا بالحق أم أنت من اللاعبين‏}‏ يعنون‏:‏ أجادٌّ أنتَ، أم لاعب‏؟‏‏!‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لأكيدنَّ أصنامكم‏}‏ الكيد‏:‏ احتيال الكائد في ضرّ المكيد‏.‏ والمفسرون يقولون‏:‏ لأكيدنها بالكسر ‏{‏بعد أن تُوَلُّوا‏}‏ أي‏:‏ تذهبوا عنها، وكان لهم عيد في كل سنة يخرجون إِليه ولا يخلِّفون بالمدينة أحداً، فقالوا لإِبراهيم‏:‏ لو خرجتَ معنا إِلى عيدنا أعجبكَ دِيننا، فخرج معهم، فلما كان ببعض الطريق، قال‏:‏ إِني سقيم، وألقى نفسه، وقال سِرّاً منهم‏:‏ «وتالله لأكيدنَّ أصنامكم»، فسمعه رجل منهم، فأفشاه عليه، فرجع إِلى بيت الأصنام، وكانت فيما ذكره مقاتل بن سليمان اثنين وسبعين صنماً من ذهب وفضة ونحاس وحديد وخشب، فكسرها، ثم وضع الفأس في عنق الصنم الكبير، فذلك قوله‏:‏ ‏{‏فجعلهم جُذاذاً‏}‏ قرأ الأكثرون‏:‏ «جُذاذاً» بضم الجيم‏.‏ وقرأ أبو بكر الصدّيق، وابن مسعود، وأبو رزين، وقتادة، وابن محيصن، والأعمش، والكسائي‏:‏ «جِذاذاً» بكسر الجيم‏.‏ وقرأ أبو رجاء العطاردي، وأيوب السختياني، وعاصم الجحدري‏:‏ «جَذاذاً» بفتح الجيم‏.‏ وقرأ الضحاك، وابن يعمر‏:‏ «جَذذاً» بفتح الجيم من غير ألف‏.‏ وقرأ معاذ القارئ، وأبو حيوة، وابن وثَّاب‏:‏ «جُذذاً» بضم الجيم من غير ألف‏.‏ قال أبو عبيدة‏:‏ أي‏:‏ مستأصَلين، قال جرير‏:‏

بَني المهلَّب جَذَّ اللهُ دَابِرَهُم *** أَمْسَوْا رَمَاداً فلا أصلٌ ولا طَرَفُ

أي‏:‏ لم يَبْقَ منهم شيء، ولفظ «جُذاذ» يقع على الواحد والاثنين والجميع من المذكَّر والمؤنَّث‏.‏ وقال ابن قتيبة‏:‏ «جُذاذاً» أي‏:‏ فُتاتاً، وكلُّ شيء كسرتَه فقد جَذَذْتَه، ومنه قيل للسَّويق‏:‏ الجذيذ‏.‏ وقرأ الكسائي‏:‏ «جِذاذاً» بكسر الجيم على أنه جمع جَذيذ، مثل ثَقيل وثِقال، وخَفيف وخِفاف‏.‏ والجذيذ بمعنى‏:‏ المجذوذ، وهو المكسور‏.‏ ‏{‏إِلا كبيراً لهم‏}‏ أي‏:‏ كسر الأصنامَ إِلا أكبرها‏.‏ قال الزجاج‏:‏ جائز أن يكون أكبرها في ذاته، وجائز أن يكون أكبرها عندهم في تعظيمهم إِياه، ‏{‏لعلَّهم إِليه يَرْجِعون‏}‏، في هاء الكناية قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ أنها ترجع إِلى الصنم‏.‏ ثم فيه قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ لعلهم يرجعون إِليه فيشاهدونه، هذا قول مقاتل‏.‏

والثاني‏:‏ لعلهم يرجعون إِليه بالتهمة، حكاه أبو سليمان الدمشقي‏.‏

والثاني‏:‏ أنها ترجع إِلى إِبراهيم‏.‏ والمعنى‏:‏ لعلهم يرجعون إِلى دين إِبراهيم بوجوب الحُجَّة عليهم، قاله الزجاج‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏59- 63‏]‏

‏{‏قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآَلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ ‏(‏59‏)‏ قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ ‏(‏60‏)‏ قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ ‏(‏61‏)‏ قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآَلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ ‏(‏62‏)‏ قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ ‏(‏63‏)‏‏}‏

فلما رجعوا من عيدهم ونظروا إِلى آلهتهم ‏{‏قالوا مَنْ فعل هذا بآلهتنا إِنه لمن الظالمين‏}‏ أي‏:‏ قد فعل ما لم يكن له فِعْلُه، فقال الذي سمع إِبراهيم يقول‏:‏ «لأكيدن أصنامكم»‏:‏ ‏{‏سمعنا فتى يَذْكرهم‏}‏ قال الفراء‏:‏ أي‏:‏ يَعيبهم؛ نقول للرجل‏:‏ لئن ذكرتَني لتندمنَّ، تريد‏:‏ بسوء‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَأْتُوْا به على أعيُن الناس‏}‏ أي‏:‏ بمرأىً منهم، لا تأتُوا به خفْيةً‏.‏ قال أبو عبيدة‏:‏ تقول العرب إِذا أُظهر الأمر وشُهر‏:‏ كان ذلك على أعين الناس‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لعلهم يَشهدون‏}‏ فيه ثلاثة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ يشهدون أنه قال لآلهتنا ما قال، رواه أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال الحسن، وقتادة‏.‏

والثاني‏:‏ يشهدون أنه فعل ذلك، قاله السدي‏.‏

والثالث‏:‏ يشهدون عقابه وما يُصنَع به، قاله محمد بن إِسحاق‏.‏

قال المفسرون‏:‏ فانطلَقوا به إِلى نمرود، فقال له‏:‏ ‏{‏أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إِبراهيم‏؟‏ قال بل فعله كبيرهم هذا‏}‏ غضب أن تُعبَد معه الصغار، فكسرها، ‏{‏فاسألوهم إِن كانوا يَنْطِقون‏}‏ من فَعَلَه بهم‏؟‏‏!‏ وهذا إِلزام للحُجَّة عليهم بأنهم جماد لا يقدرون على النُّطق‏.‏

واختلف العلماء في وجه هذا القول من إِبراهيم عليه السلام على قولين‏.‏

أحدهما‏:‏ أنه وإِن كان في صورة الكذب، إِلا أن المراد به التنبيه على أن من لا قدرة له، لا يصلح أن يكون إِلهاً، ومثله قول الملَكين لداود‏:‏ ‏{‏إِنَّ هذا أخي‏}‏ ‏[‏ص‏:‏ 23‏]‏ ولم يكن أخاه ‏{‏له تسع وتسعون نعجة‏}‏ ‏[‏ص‏:‏ 23‏]‏، ولم يكن له شيء، فجرى هذا مجرى التنبيه لداود على ما فعل، وأنه هو المراد بالفعل والمَثَل المضروب؛ ومِثْل هذا لا تسمِّيه العرب كذباً‏.‏

والثاني‏:‏ أنه من معاريض الكلام؛ فروي عن الكسائي أنه ‏[‏كان‏]‏ يقف عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏بل فعله‏}‏ ويقول معناه‏:‏ فعله مَنْ فعله، ثم يبتدئ ‏{‏كبيرهم هذا‏}‏‏.‏ قال الفراء‏:‏ وقرأ بعضهم‏:‏ «بل فعلّه» بتشديد اللام، يريد‏:‏ فلعلَّه كبيرهم هذا‏.‏ وقال ابن قتيبة‏:‏ هذا من المعاريض، ومعناه‏:‏ إِن كانوا ينطقون، فقد فعله كبيرهم، وكذلك قوله‏:‏ ‏{‏إِني سقيم‏}‏ ‏[‏الصافات‏:‏ 89‏]‏ أي‏:‏ سأسقم، ومثله ‏{‏إِنكَ ميِّت‏}‏ ‏[‏الزمر‏:‏ 30‏]‏ أي‏:‏ ستموت، وقوله‏:‏ ‏{‏لا تؤاخذني بما نسيتُ‏}‏ ‏[‏الكهف‏:‏ 74‏]‏ قال ابن عباس‏:‏ لم ينس، ولكنه من معاريض الكلام، والمعنى‏:‏ لا تؤاخذني بنسياني، ومن هذا قصة الخصمين ‏{‏إِذ تسوروا المحراب‏}‏ ‏[‏ص‏:‏ 21‏]‏، ومثله ‏{‏وإِنّا أو إِيّاكم لعلى هُدىً‏}‏ ‏[‏سبأ‏:‏ 24‏]‏، والعرب تستعمل التعريض في كلامها كثيراً، فتبلغ إِرادتها بوجهٍ هو ألطف من الكشف وأحسن من التصريح‏.‏ وروي أن قوماً من الأعراب خرجوا يمتارون، فلما صدروا، خالف رجل في بعض الليل إِلى عكْم صاحبه، فأخذ منه بُرّاً وجعله في عِكْمه، فلما أراد الرحلة وقاما يتعاكمان، رأى عِكْمه يشول، وعِكْم صاحبه يثقل، فأنشأ يقول‏:‏

عِكْم تغشَّى بعضَ أعكام القوم *** لَمْ أَرَ عِكْماً سَارقاً قبل اليوم

فخوَّن صاحبه بوجهٍ هو ألطف من التصريح‏.‏ قال ابن الأنباري‏:‏ كلام إِبراهيم كان صدقاً عند البحث، ومعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ كذب إِبراهيم ثلاث كذبات ‏"‏ قال قولاً يشبه الكذب في الظاهر، وليس بكذب‏.‏ قال المصنف‏:‏ وقد ذهب جماعة من العلماء إِلى هذا الوجه، وأنه من المعاريض، والمعاريض لا تُذم، خصوصاً إِذا احتيج إِليها، روى عمران بن حصين، قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ إِن في المعاريض لمندوحة عن الكذب ‏"‏، وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه‏:‏ ما يسرُّني أنّ لي بما أعلم من معاريض القول مِثْل أهلي ومالي، وقال النخعي‏:‏ لهم كلام يتكلَّمون به إِذا خشوا من شيء يدرؤون به عن أنفسهم‏.‏ وقال ابن سيرين‏:‏ الكلام أوسع من أن يكذب ظريف، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعجوز‏:‏ ‏"‏ إِن الجنَّة لا تدخلها العجائز ‏"‏، أراد قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنّا أنشأناهُنَّ إِنشاءً‏}‏ ‏[‏الواقعة‏:‏ 35‏]‏، ‏"‏ وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يمازح بلالاً، فيقول‏:‏ «ما أُخت خالك منك»‏؟‏، وقال لامرأة‏:‏ «مَنْ زوجُك»‏؟‏ فسمَّته له، فقال‏:‏ «الذي في عينيه بياض»‏؟‏، وقال لرجل‏:‏ «إِنا حاملوك على ولد ناقة»، وقال له العباس‏:‏ ما ترجو لأبي طالب‏؟‏ فقال‏:‏ «كل خير أرجوه من ربِّي» ‏"‏، وكان أبو بكر حين خرج من الغار مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إِذا سأله أحد‏:‏ مَنْ هذا بين يديك‏؟‏ يقول‏:‏ هادٍ يهديني‏.‏ وكانت امرأة ابن رواحة قد رأته مع جارية له، فقالت له‏:‏ وعلى فراشي أيضا‏؟‏‏!‏ فجحد، فقالت له‏:‏ فاقرأ القرآن، فقال‏:‏

وفينا رَسُولُ الله يَتْلُو كتابَه *** إِذا انشقَّ مشهورٌ مِنَ الصُّبْح طالِع

يَبِيتُ يُجَافي جنْبَهُ عن فِراشه *** إِذا استثقلتْ بالكافرين المَضاجعُ

فقالت‏:‏ آمنتُ بالله، وكذبت بصري، فأتى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، فأخبره، فضحك وأعجبه ما صنع‏.‏ وعرض شريح ناقة ليبيعها فقال له المشتري‏:‏ كيف لبنها‏؟‏ قال‏:‏ احلبْ في أيِّ إِناءٍ شئتَ، قال‏:‏ كيف الوِطاء‏؟‏ قال افرش ونم، قال‏:‏ كيف نجاؤها‏؟‏ قال‏:‏ إِذا رأيتَها في الإِبل عرفتَ مكانها، علِّق سوطكَ وسِرْ، قال‏:‏ كيف قُوَّنها‏؟‏ قال‏:‏ احمل على الحائط ما شئتَ؛ ‏[‏فاستصراها‏]‏ فلم يَرَ شيئاً مما وصف، فرجع إِليه، فقال‏:‏ لم أرَ فيها شيئاً مما وصفتَها به، قال‏:‏ ما كذبتك، قال‏:‏ أَقِلْني، قال‏:‏ نعم‏.‏ وخرج شريح من عند زياد وهو مريض، فقيل له‏:‏ كيف وجدت الأمير‏؟‏ قال‏:‏ تركتُه يأمر ويَنهى، فقيل له‏:‏ ما معنى يأمر وينهى‏؟‏ قال‏:‏ يأمر بالوصية، وينهى عن النَّوح‏.‏ وأخذ محمد بن يوسف حجراً المدري فقال‏:‏ العن علياً، فقال‏:‏ إِن الأمير أمرني أن ألعن علياً محمد بن يوسف، فالعنوه، لعنه الله‏.‏ وأمر بعض الأمراء صعصعة بن صوحان بلعن عليّ، فقال‏:‏ لعن اللهُ من لعن اللهُ ولعن عليٌّ، ثم قال‏:‏ إِن ‏[‏هذا‏]‏ الأمير قد أبى إِلا أن ألعن علياً، فالعنوه، لعنه الله‏.‏

وامتحنت الخوارج رجلاً من الشيعة، فجعل يقول‏:‏ أنا مِنْ عليّ ومِنْ عثمان بريء‏.‏ وخطب رجل امرأةً وتحته أخرى، فقالوا‏:‏ لا نزوِّجك حتى تطلِّق امرأتك، فقال‏:‏ اشهدوا أني قد طلقت ثلاثاً، فزوَّجوه، فأقام مع المرأة الأولى، فادَّعوا أنه قد طلّق، فقال‏:‏ أما تعلمون أنه كان تحتي فلانة فطلَّقتُها، ثم فلانة فطلَّقتُها، ثم فلانة فطلَّقتُها‏؟‏ قالوا‏:‏ بلى، قال‏:‏ فقد طلَّقتُ ثلاثاً‏.‏ وحكي أن رجلاً عثر به الطائف ليلة، فقال له‏:‏ من أنت‏؟‏ فقال‏:‏

أنا ابنُ الذي لا يُنْزَل الدهرَ قِدرُه *** وإِن نزلتْ يوماً فسَوف تعود

ترى الناسَ أفواجاً إِلى ضوءِ ناره *** فمنهم قيام حولها وقعود

فظنَّ الطائف أنه ابن بعض الأشراف بالبصرة، فلما أصبح سأل عنه، فإذا هو ابن باقلائي‏.‏ ومثل هذا كثير‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏64- 67‏]‏

‏{‏فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ ‏(‏64‏)‏ ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ ‏(‏65‏)‏ قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ ‏(‏66‏)‏ أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ‏(‏67‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فرجعوا إِلى أنفسهم‏}‏ فيه قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ رجع بعضهم إِلى بعض‏.‏

والثاني‏:‏ رجع كلٌّ منهم إِلى نفسه متفكِّراً‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فقالوا إِنكم أنتم الظالمون‏}‏ فيه خمسة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ حين عبدتم من لا يتكلم، قاله ابن عباس‏.‏

والثاني‏:‏ حين تتركون آلهتكم وحدها، وتذهبون، قاله وهب بن منبه‏.‏

والثالث‏:‏ في عبادة هذه الأصاغر مع هذا الكبير، روي عن وهب أيضاً‏.‏

والرابع‏:‏ لإِبراهيم حين اتهمتموه والفأس في يد كبير الأصنام، قاله ابن إِسحاق، ومقاتل‏.‏

والخامس‏:‏ أنتم ظالمون لإِبراهيم حين سألتموه، وهذه أصنامكم حاضرة، فاسألوها، ذكره ابن جرير‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ثم نُكِسوا على رؤوسهم‏}‏ وقرأ أبو رزين العقيلي، وابن أبي عبلة، وأبو حيوة‏:‏ «نُكِّسوا» برفع النون وكسر الكاف مشددة‏.‏ وقرأ سعيد بن جبير، وابن يعمر، وعاصم الجحدري‏:‏ «نَكَسوا» بفتح النون والكاف مخفَّفة‏.‏ قال أبو عبيدة‏:‏ «نُكِسوا»‏:‏ قُلِبوا، تقول‏:‏ نكستُ فلاناً على رأسه‏:‏ إِذا قهرته وعلوته‏.‏

ثم في المراد بهذا الانقلاب ثلاثة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ أدركتْهم حيرةٌ، فقالوا‏:‏ ‏{‏لقد علمتَ ما هؤلاءِ يَنْطِقُون‏}‏، قاله قتادة‏.‏

والثاني‏:‏ رجعوا إِلى أول ما كانوا يعرفونها به من أنها لا تنطق، قاله ابن قتيبة‏.‏

والثالث‏:‏ انقلبوا على إِبراهيم يحتجُّون عليه بعد أن أقرُّوا له ولاموا أنفسهم في تهمته، قاله أبو سليمان الدمشقي‏.‏ وفي قوله‏:‏ ‏{‏لقد علمتَ‏}‏ إِضمار «قالوا»، وفي هذا إِقرار منهم بعجز ما يعبدونه عن النُّطق، فحينئذ توجهت لإِبراهيم الحُجَّة، فقال موبّخاً لهم‏:‏ ‏{‏أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم‏}‏ أي‏:‏ لا يرزقكم ولا يعطيكم شيئاً ‏{‏ولا يضرُّكم‏}‏ إِذا لم تعبدوه، وفي هذا حثٌّ لهم على عبادة من يملك النفع والضُّر، ‏{‏أفٍّ لكم‏}‏ قال الزجاج‏:‏ معناه‏:‏ النتن لكم؛ فلما ألزمهم الحجة غضبوا، فقالوا‏:‏ ‏{‏حرِّقوه‏}‏‏.‏ وذُكر في التفسير أن نمرود استشارهم، بأيِّ عذاب أعذِّبه، فقال رجل‏:‏ حرِّقوه، فخسف الله به الأرض، فهو يتجلجل فيها إِلى يوم القيامة‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏68- 73‏]‏

‏{‏قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آَلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ ‏(‏68‏)‏ قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ ‏(‏69‏)‏ وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ ‏(‏70‏)‏ وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ ‏(‏71‏)‏ وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ ‏(‏72‏)‏ وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ ‏(‏73‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وانصروا آلهتكم‏}‏ أي‏:‏ بتحريقه، لأنه يَعيبها ‏{‏إِن كنتم فاعلين‏}‏ أي‏:‏ ناصريها‏.‏

الإِشارة إِلى القصة

ذكر أهل التفسير أنهم حبسوا إِبراهيم عليه السلام في بيت ثم بنَوا له حَيْراً طول جداره ستون ذراعاً إِلى سفح جبل منيف، ونادى منادي الملك‏:‏ أيها الناس احتطبوا لإِبراهيم، ولا يتخلفنَّ عن ذلك صغير ولا كبير، فمن تخلَّف أُلقي في تلك النار، ففعلوا ذلك أربعين ليلة، حتى إِن كانت المرأة لتقول‏:‏ إِن ظفرتُ بكذا لأحتطبنَّ لنار إِبراهيم، حتى إِذا كان الحطب يساوي رأس الجدار سدوا أبواب الحَيْر وقذفوا فيه النار، فارتفع لهبها، حتى إِن كان الطائر ليمرُّ بها فيحترق من شدة حرِّها، ثم بنَوا بنياناً شامخاً، وبنَوا فوقه منجنيقاً، ثم رفعوا إِبراهيم على رأس البنيان، فرفع إِبراهيم رأسه إِلى السماء، فقال‏:‏ اللهم أنت الواحد في السماء، وأنا الواحد في الأرض، ليس في الأرض أحد يعبدك غيري، حسبي الله ونعم الوكيل؛ فقالت السماء والأرض والجبال والملائكة‏:‏ ربَّنا إِبراهيمُ يُحرَق فيكَ، فائذن لنا في نصرته؛ فقال‏:‏ أنا أعلمُ به، وإِن دعاكم فأغيثوه؛ فقذفوه في النار وهو ابن ست عشرة سنة، وقيل‏:‏ ست وعشرين، فقال‏:‏ «حسبي الله ونعم الوكيل»‏.‏ فاستقبله جبريل، فقال‏:‏ يا إِبراهيم ألكَ حاجة‏؟‏ قال‏:‏ أمّا إِليك فلا، قال جبريل‏:‏ فسل ربَّك، فقال‏:‏ «حسبي من سؤالي علْمُه بحالي»، فقال الله عز وجل‏:‏ ‏{‏يا نارُ كوني بَرْداً وسلاماً على إِبراهيم‏}‏، فلم تبق نار على وجه الأرض يومئذ إِلا طُفئت وظنَّت أنها عُنيت‏.‏ وزعم السدي أن جبريل هو الذي ناداها‏.‏ وقال ابن عباس‏:‏ لو لم يُتبع بردها سلاماً لمات إِبراهيم من بردها‏.‏ قال السدي‏:‏ فأخذت الملائكة بضَبْعَي إِبراهيم فأجلسوه على الأرض، فإذا عين من ماءٍ عذْب، وورد أحمر، ونرجس‏.‏ قال كعب ووهب‏:‏ فما أحرقت النار من إِبراهيم إِلا وَثاقه، وأقام في ذلك الموضع سبعة أيام، وقال غيرهما‏:‏ أربعين أو خمسين يوماً، فنزل جبريل بقميص من الجنة وطنفسة من الجنة، فألبسه القميص، وأجلسه على الطنفسة وقعد معه يحدثه‏.‏ وإِن آزر أتى نمرود فقال‏:‏ أئذن لي أن أُخرِج عظام إِبراهيم فأدفنها، فانطلق نمرود ومعه الناس، فأمر بالحائط فنُقب، فإذا إِبراهيم في روضة تهتزُّ وثيابه تندى، وعليه القميص وتحته الطنفسة والملَك إِلى جنبه، فناداه نمرود‏:‏ يا إِبراهيم، إِن إلهك الذي بلغتْ قُدرته هذا لكبيرٌ، هل تستطيع أن تخرج‏؟‏ قال‏:‏ نعم، فقام إِبراهيم يمشي حتى خرج، فقال‏:‏ مَن الذي رأيتُ معك‏؟‏ قال ملَك أرسله إِليَّ ربِّي ليؤنسني، فقال نمرود‏:‏ إِني مقرِّب لإِلهك قرباناً لِما رأيتُ من قدرته، فقال‏:‏ إِذن لا يقبل الله منكَ ما كنتَ على دينك، فقال‏:‏ يا إِبراهيم، لا أستطيع ترك ملكي، ولكن سوف أذبح له، فذبح القربان وكفَّ عن إِبراهيم‏.‏

قال المفسرون‏:‏ ومعنى «كُوني بَرْداً» أى‏:‏ ذات برد «وسلاماً» أي‏:‏ سلامة‏.‏ ‏{‏وأرادوا به كيداً‏}‏ وهو التحريق بالنار ‏{‏فجعلناهم الأخسرين‏}‏ وهو أن الله تعالى سلَّط البعوض عليهم حتى أكل لحومهم وشرب دماءهم، ودخلت واحدة في دماع نمرود حتى أهلكته، والمعنى‏:‏ أنهم كادوه بسوء، فانقلب السوء عليهم‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ونجَّيناه‏}‏ أي‏:‏ من نمرود وكيده ‏{‏ولوطاً‏}‏ وهو ابن أخي إِبراهيم، وهو لوط بن هاران بن تارح، وكان قد آمن به، فهاجرا من أرض العراق إِلى الشام‏.‏ وكانت سارة مع ابراهيم في قول وهب‏.‏ وقال السدي‏:‏ إِنما هي إبنة ملك حرَّان، لقيها إِبراهيم فتزوجها على أن لا يغيرها، وكانت قد طعنت على قومها في دينهم‏.‏

فأما قوله تعالى ‏{‏إِلى الأرض التي باركنا فيها‏}‏، ففيها قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ أنها أرض الشام، وهذا قول الأكثرين‏.‏ وبَرَكتها‏:‏ أن الله عزّ وجل بعث أكثر الأنبياء منها، وأكثر فيها الخصب والثمار والأنهار‏.‏

والثاني‏:‏ أنها مكة، رواه العوفي عن ابن عباس‏.‏ والأول أصح‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَوَهبْنا له‏}‏ يعني‏:‏ إِبراهيم ‏{‏إِسحاق ويعقوب نافلة‏}‏، وفي معنى النافلة قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ أنها بمعنى الزيادة، والمراد بها‏:‏ يعقوب خاصة، فكأنه سأل واحداً، فأُعطي اثنين، وهذا مذهب ابن عباس، وقتادة، وابن زيد، والفراء‏.‏

والثاني‏:‏ أن النافلة بمعنى العطية، والمراد‏:‏ بها إِسحاق ويعقوب، وهذا مذهب مجاهد، وعطاء‏.‏ قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وكُلاًّ جعلنا صالحين‏}‏ يعني‏:‏ إِبراهيم وإِسحاق ويعقوب‏.‏ قال أبو عبيدة‏:‏ «كُلٌّ» يقع خبره على لفظ الواحد، لأن لفظه لفظ الواحد، ويقع خبره على لفظ الجميع، لأن معناه معنى الجميع‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وجعلناهم أئمة‏}‏ أي‏:‏ رؤوساً يُقتدى بهم في الخير ‏{‏يَهْدون بأمرنا‏}‏ أي‏:‏ يَدْعون الناس إِلى ديننا بأمرنا إِيَّاهم بذلك ‏{‏وأوحينا إِليهم فعل الخيرات‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ شرائع النبوَّة‏.‏ وقال مقاتل‏:‏ الأعمال الصالحة‏.‏ ‏{‏وإِقامَ الصلاة‏}‏ قال الزجاج‏:‏ حذفُ الهاء من «إِقامة الصلاة» قليلٌ في اللغة، تقول‏:‏ أقام إِقامة، والحذف جائز، لأن الإِضافة عوض من الهاء‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏74- 75‏]‏

‏{‏وَلُوطًا آَتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ ‏(‏74‏)‏ وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ ‏(‏75‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولوطاً آتيناه حكماً‏}‏ قال الزجاج‏:‏ انتصب «لوط» بفعل مضمر، لأن قبله فعلاً، فالمعنى‏:‏ وأوحينا إِليهم وآتينا لوطاً‏.‏ وذكر بعض النحويين‏:‏ أنه منصوب على «واذكر لوطاً»، وهذا جائز، لأن ذِكْر إِبراهيم قد جرى، فحُمل لوط على معنى‏:‏ واذكر‏.‏

قال المفسرون‏:‏ لمَّا هاجر لوط مع إِبراهيم، نزل إِبراهيم أرض فلسطين، ونزل لوط بالمؤتفكة على مسيرة يوم وليلة أو نحو ذلك من إِبراهيم، فبعثه الله نبيّاً‏.‏

فأما «الحُكم» ففيه قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ أنه النبوَّة، قاله ابن عباس‏.‏

والثاني‏:‏ الفهم والعقل، قاله مقاتل‏.‏ وقد ذكرنا فيه أقوالاً في سورة ‏[‏يوسف‏:‏ 22‏]‏‏.‏ وأما «القرية» هاهنا، فهي سَدُوم، والمراد أهلها، والخبائث‏:‏ أفعالهم المنكَرة، فمنها إِتيان الذكور وقطع السبيل، إِلى غير ذلك مما قد ذكره الله عز وجل عنهم في مواضع ‏[‏هود‏:‏ 78 والحجر‏:‏ 69‏]‏‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وأدخلناه في رحمتنا‏}‏ أي‏:‏ بانجائه من بينهم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏76- 77‏]‏

‏{‏وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ ‏(‏76‏)‏ وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ ‏(‏77‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ونوحاً‏}‏ المعنى‏:‏ واذكر نوحاً، وكذلك ما يأتيك من ذِكْر الأنبياء ‏{‏إِذ نادى‏}‏ أي‏:‏ دعا على قومه ‏{‏مِنْ قَبْلُ‏}‏ أي‏:‏ مِنْ قبل إِبراهيمَ ولوطٍ‏.‏ فأما الكرب العظيم، فقال ابن عباس‏:‏ هو الغرق وتكذيب قومه‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ونصرناه من القوم‏}‏ أي‏:‏ منعناه منهم أن يصلوا إِليه بسوءٍ‏.‏ وقيل‏:‏ «من» بمعنى «على»‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏78- 82‏]‏

‏{‏وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ ‏(‏78‏)‏ فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آَتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ ‏(‏79‏)‏ وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ ‏(‏80‏)‏ وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ ‏(‏81‏)‏ وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ ‏(‏82‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وداود وسليمان إِذ يحكمان في الحرث‏}‏ وفيه قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ أنه كان عنباً، قاله ابن مسعود، ومسروق، وشريح‏.‏

والثاني‏:‏ كان زرعاً، قاله قتادة‏.‏

‏{‏إِذ نَفَشَتْ فيه غَنَمُ القوم‏}‏ قال ابن قتيبة‏:‏ أي‏:‏ رَعَتْ ليلاً، يقال‏:‏ نَفَشَت الغنمُ بالليل، وهي إِبل نَفَشٌ ونُفَّاشٌ ونِفَاشٌ، والواحد‏:‏ نَافِشٌ، وَسَرَحَتْ وسَرَبَتْ بالنهار‏.‏ قال قتادة‏:‏ النَّفَش بالليل، والهَمَل بالنهار‏.‏ وقال ابن السكِّيت‏:‏ النَّفَش‏:‏ أن تنتشر الغنم بالليل ترعى بلا راعٍ‏.‏

الإِشارة إِلى القصة

ذكر أهل التفسير أن رجلين كانا على عهد داود عليه السلام، أحدهما صاحب حرث، والآخر صاحب غنم، فتفلَّتت الغنم فوقعت في الحرث فلم تُبق منه شيئاً، فاختصما إِلى داود، فقال لصاحب الحرث‏:‏ لك رقاب الغنم، فقال سليمان‏:‏ أوَ غير ذلك‏؟‏ قال‏:‏ ما هو‏؟‏ قال‏:‏ ينطلق أصحاب الحرث بالغنم فيصيبون من ألبانها ومنافعها، ويُقبل أصحاب الغَنَم على الكَرْم، حتى إِذا كان كليلة نفشت فيه الغَنَم، دفع هؤلاء إِلى هؤلاء غنمهم، ودفع هؤلاء إِلى هؤلاء كَرْمهم، فقال داود‏:‏ قد أصبتَ القضاءَ، ثم حكم بذلك، فذلك قوله‏:‏ ‏{‏وكُنَّا لِحُكمهم شاهدين‏}‏ وفي المشار إِليهم قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ داود وسليمان، فذكرهما بلفظ الجمع، لأن الاثنين جمع، هذا قول الفراء‏.‏

والثاني‏:‏ أنهم داود وسليمان والخصوم، قاله أبو سليمان الدمشقي‏.‏ وقرأ ابن مسعود، وابن عباس، وابن أبي عبلة‏:‏ «وكنا لِحُكمها» على التثنية‏.‏ ومعنى «شاهدِين»‏:‏ أنه لم يَغِب عنّا من أمرهم شيء‏.‏ ‏{‏ففهَّمْناها سليمان‏}‏ يعني‏:‏ القضية والحكومة‏.‏ وإِنما كنى عنها، لأنه قد سبق ما يدل عليها من ذِكْر الحُكم، ‏{‏وكُلاًّ‏}‏ منهما ‏{‏آتينا حُكماً‏}‏ وقد سبق بيانه‏.‏ قال الحسن‏:‏ لولا هذه الآية لرأيت أن القضاة قد هلكوا، ولكنه أثنى على سليمان لصوابه، وعَذَر دواد باجتهاده‏.‏

فصل

قال أبو سليمان الدمشقي‏:‏ كان قضاء داود وسليمان جميعاً من طريق الاجتهاد، ولم يكن نصّاً، إِذ لو كان نصاً ما اختلفا‏.‏ قال القاضي أبو يعلى‏:‏ وقد اختلف الناس في الغنم إِذا نفشت ليلاً في زرع رجل فأفسدتْه، فمذهب أصحابنا أن عليه الضمان، وهو قول الشافعي، وقال أبو حنيفة وأصحابه‏:‏ لا ضمان عليه ليلاً ونهاراً، إِلا أن يكون صاحبها هو الذي أرسلها، فظاهر الآية يدل على قول أصحابنا، لأن داود حكم بالضمان، وشرع مَنْ قَبْلَنَا شَرْعٌ لنا مالم يَثْبُت نَسْخُه‏.‏ فإن قيل‏:‏ فقد ثبت نسخ هذا الحكم، لأن داود حكم بدفع الغَنَم إِلى صاحب الحرث، وحكم سليمان له بأولادها وأصوافها، ولا خلاف أنه لا يجب على من نفشتْ غنمه في حرث رجل شيءٌ من ذلك؛ قيل‏:‏ الآية تضمنت أحكاماً، منها وجوب الضمان وكيفيته، فالنسخ حصل على كيفيَّته، ولم يحصل على أصله، فوجب التعلُّق به، وقد روى حرام بن محيِّصة عن أبيه‏:‏ أن ناقةً للبراء دخلت حائط رجل فأفسدتْ، فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم على أهل الأموال حفظها بالنهار، وعلى أهل المواشي حفظها بالليل‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وسخَّرْنا مع داود الجبال يسبِّحن‏}‏ تقدير الكلام‏:‏ وسخَّرْنا الجبال يسبِّحن مع داود‏.‏ قال أبو هريرة‏:‏ كان إِذا سبَّح أجابته الجبال والطير بالتسبيح والذِّكْر، وقال غيره‏:‏ كان إِذا وجد فترةً، أمر الجبال فسبَّحت حتى يشتاق هو فيسبِّح‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وكُنَّا فاعلين‏}‏ أي‏:‏ لذلك‏.‏ قال الزجاج‏:‏ المعنى‏:‏ وكنّا نقدر على ما نريده‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وعلَّمْناه صنعةَ لَبُوس لكم‏}‏ في المراد باللَّبوس قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ الدُّروع، وكانت قبل ذلك صفائح، وكان داود أول من صنع هذه الحلق وسرد، قاله قتادة‏.‏

والثاني‏:‏ أن اللَّبوس‏:‏ السلاح كلُّه من درع إِلى رمح، قاله أبو عبيدة‏.‏ وقرأ أبو المتوكل، وابن السميفع‏:‏ «لُبوس» بضم اللام‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لِتُحْصِنَكُمْ‏}‏ قرأ ابن كثير‏.‏ ونافع، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي‏:‏ «لِيُحْصِنَكُمْ» بالياء‏.‏ وقرأ ابن عامر، وحفص عن عاصم‏:‏ «لِتُحْصِنَكُمْ» بالتاء‏.‏ وروى أبو بكر عن عاصم‏:‏ «لِنُحْصِنَكُمْ» بالنون خفيفة‏.‏ وقرأ أبو الدرداء، وأبو عمران الجوني، وأبو حيوة‏:‏ «لِتُحَصِّنَكُمْ» بتاء مرفوعة وفتح الحاء وتشديد الصاد‏.‏ وقرأ ابن مسعود، وأبو الجوزاء، وحميد بن قيس‏:‏ «لِتَحَصُّنِكُمْ» بتاء مفتوحة مع فتح الحاء وتشديد الصاد مع ضمها‏.‏ وقرأ أبو رزين العقيلي، وأبو المتوكل، ومجاهد‏:‏ «لِنُحَصِّنَكُمْ» بنون مرفوعة وفتح الحاء وكسر الصاد مع تشديدها‏.‏ وقرأ معاذ القارئ، وعكرمة، وابن يعمر، وعاصم الجحدري، وابن السميفع‏:‏ «لِيُحْصِنَّكُمْ» بياء مرفوعة وسكون الحاء وكسر الصاد مشددة النون‏.‏ فمن قرأ بالياء ففيه أربعة أوجه‏.‏ قال أبو علي الفارسي‏:‏ أن يكون الفاعل اسم الله، لتقدُّم معناه، ويجوز أن يكون اللباس، لأن اللبوس بمعنى اللباس من حيث كان ضرباً منه، ويجوز أن يكون داود، ويجوز أن يكون التعليم، وقد دل عليه «علَّمْناه»‏.‏

ومن قرأ بالتاء، حمله على المعنى، لأنه الدرع‏.‏

ومن قرأ بالنون، فلتقدمُّ قوله‏:‏ «وعلَّمناه»‏.‏

ومعنى «لِتُحْصِنَكُمْ»‏:‏ لِتُحْرِزَكم وتمنعكم ‏{‏مِنْ بأسكم‏}‏ يعني‏:‏ الحرب‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولسليمان الرِّيحَ‏}‏ وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي، وأبو عمران الجوني، وأبو حيوة الحضرمي‏:‏ «الرِّياحُ» بألف مع رفع الحاء‏.‏ وقرأ الحسن، وأبو المتوكل، وأبو الجوزاء‏:‏ بالألف ونصب الحاء، والمعنى‏:‏ وسخَّرْنا لسليمان الريح ‏{‏عاصفةً‏}‏ أي‏:‏ شديدة الهبوب ‏{‏تجري بأمره‏}‏ يعني‏:‏ بأمر سليمان ‏{‏إِلى الأرض التي باركْنا فيها‏}‏ وهي أرض الشام، وقد مَرَّ بيان بركتها في هذه السورة ‏[‏الأنبياء‏:‏ 72‏]‏؛ والمعنى‏:‏ أنها كانت تسير به إِلى حيث شاء، ثم تعود به إِلى منزله بالشام‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وكُنَّا بِكُلِّ شيء عالِمين‏}‏ علمنا أن ما نُعطي سليمان يدعوه إِلى الخضوع لربِّه‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ومن الشياطين من يغوصون له‏}‏ قال أبو عبيدة‏:‏ «مَنْ» تقع على الواحد والاثنين والجمع من المذكَّر والمؤنَّث‏.‏ قال المفسرون‏:‏ كانوا يغوصون في البحر، فيستخرجون الجواهر، ‏{‏ويعملون عملاً دون ذلك‏}‏ قال الزجاج‏:‏ معناه‏:‏ سوى ذلك، ‏{‏وكُنَّا لهم حافظين‏}‏ أن يُفسدوا ما عملوا‏.‏ وقال غيره‏:‏ أن يخرجوا عن أمره‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏83- 86‏]‏

‏{‏وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ‏(‏83‏)‏ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآَتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ ‏(‏84‏)‏ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ ‏(‏85‏)‏ وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ ‏(‏86‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وأيُّوبَ إِذ نادى ربَّه‏}‏ أي‏:‏ دعا ربَّه ‏{‏أنِّي‏}‏ وقرأ أبو عمران الجوني‏:‏ «إِني» بكسر الهمزة، ‏{‏مَسَّنيَ الضُّرُّ‏}‏ وقرأ حمزة‏:‏ «مَسَّنِيْ» بتسكين الياء، أي‏:‏ أصابني الجَهْد، ‏{‏وأنت أرحم الراحمين‏}‏ أي‏:‏ أكثرهم رحمة، وهذا تعريض منه بسؤال الرحمة إِذ أثنى عليه بأنه الأرحم وسكت‏.‏

الإِشارة إِلى قصته

ذكر أهل التفسير أن أيوب عليه السلام كان أغنى أهل زمانه، وكان كثير الإِحسان‏.‏ فقال إِبليس‏:‏ يا رب سلِّطني على ماله وولده وكان له ثلاثة عشر ولداً فإن فعلتَ رأيتَه كيف يُطيعني ويَعصيكَ، فقيل له‏:‏ قد سلَّطْتُكَ على ماله وولده، فرجع إِبليس فجمع شياطينه ومردته، فبعث بعضهم إِلى دوابِّه ورعاته، فاحتملوها حتى قذفوها في البحر، وجاء إِبليس في صورة قيِّمه، فقال‏:‏ يا أيوب ألا أراك تصلِّي وقد أقبلتْ ريح عاصف فاحتملت دوابَّك ورعاتها حتى قذفَتْها في البحر‏؟‏ فلم يردَّ عليه شيئاً حتى فرغ من صلاته، ثم قال الحمد لله الذي رزقني ثم قبله مِنِّي، فانصرف خائباً، ثم أرسل بعض الشياطين إِلى جنانه وزروعه، فأحرقوها، وجاء فأخبره، فقال مثل ذلك، فأرسل بعض الشياطين فزلزلوا منازل أيوب وفيها ولده وخدمه، فأهلكوهم، وجاء فأخبره، فحمد الله، وقال لإِبليس وهو يظنه قيِّمه في ماله‏:‏ لو كان فيكَ خير لقبضكَ معهم، فانصرف خائباً، فقيل له‏:‏ كيف رأيتَ عبدي أيوب‏؟‏ قال‏:‏ يا ربِّ سلِّطني على جسده فسوف ترى، قيل له‏:‏ قد سلَّطْتُكَ على جسده، فجاء فنفخ في إِبهام قدميه، فاشتعل فيه مثل النار، ولم يكن في زمانه أكثر بكاءً منه خوفاً من الله تعالى، فلما نزل به البلاء لم يبكِ مخافة الجزع، وبقي لسانُه للذِّكر، وقلبه للمعرفة والشُّكر، وكان يرى أمعاءه وعروقه وعظامه، وكان مرضه أنه خرج في جميع جسده ثآليل كأليات الغنم، ووقعت به حكّة لا يملكها، فحكَّ بأظفاره حتى سقطت، ثم بالمسوح، ثم بالحجارة، فأنتن جسمه وتقطَّع، وأخرجه أهل القرية فجعلوا له عريشاً على كُناسة، ورفضه الخلق سوى زوجته، واسمها رحمة بنت إِفراييم بن يوسف بن يعقوب، فكانت تختلف إِليه بما يصلحه، وروى أبو بكر القرشي عن الليث بن سعد، قال‏:‏ كان ملك يظلم الناس، فكلَّمه في ذلك جماعة من الأنبياء، وسكت عنه أيوب لأجل خيل كانت له في سلطانه، فأوحى الله إِليه‏:‏ تركتَ كلامَه من أجل خيلك‏؟‏‏!‏ لأطيلنَّ بلاءك‏.‏

واختلفوا في مدة لبثه في البلاء على أربعة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ ثماني عشرة سنة، رواه أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏

والثاني‏:‏ سبع سنين، قاله ابن عباس، وكعب، ويحيى بن أبي كثير‏.‏

والثالث‏:‏ سبع سنين وأشهر، قاله الحسن‏.‏

والرابع‏:‏ ثلاث سنين، قاله وهب‏.‏

وفي سبب سؤاله العافية ستة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ ‏[‏أنه‏]‏ اشتهى إِداماً، فلم تُصبه امرأته حتى باعت قرناً من شعرها، فلما علم ذلك، قال‏:‏ «مسَّني الضُّر»، رواه الضحاك عن ابن عباس‏.‏

والثاني‏:‏ أن الله تعالى أنساه الدعاء مع كثرة ذكره الله، فلما انتهى أجل البلاء، يسّر له الدعاء، فاستجاب له، رواه العوفي عن ابن عباس‏.‏

والثالث‏:‏ أن نفراً من بني إِسرائيل مرُّوا به، فقال بعضهم لبعض‏:‏ ما أصابه هذا إِلا بذنْب عظيم، فعند ذلك قال‏:‏ «مسَّني الضُّر»، قاله نوف البكالي‏.‏ وقال عبد الله بن عبيد بن عمير‏:‏ كان له أخوان، فأتياه يوماً فوجدا ريحاً، فقالا‏:‏ لو كان الله علم منه خيراً ما بلغ به كلّ هذا، فما سمع شيئاً أشدَّ عليه من ذلك، فقال‏:‏ اللهم إِن كنتَ تعلم أنِّي لم أَبِت ليلةً شبعان وأنا أعلم مكان جائع فصدِّقني، فصُدِّق وهما يسمعان، ثم قال‏:‏ اللهم إِن كنتَ تعلم أنِّي لم ألبس قميصاً وأنا أعلم مكان عارٍ فصدِّقني، فصُدِّق وهما يسمعان، فخرَّ ساجداً، ثم قال‏:‏ اللهم لا أرفع رأسي حتى تكشفَ ما بي، فكشف الله عز وجل ما به‏.‏

والرابع‏:‏ أن إِبليس جاء إِلى زوجته بسخلة، فقال‏:‏ ليذبح أيوب هذه لي وقد بَرَأ، فجاءت فأخبرته، فقال‏:‏ إِن شفاني الله لأجلدنَّك مائة جلدة، أمرتني أن أذبح لغير الله‏؟‏‏!‏ ثم طردها عنه، فذهبتْ، فلما رأى أنه لا طعام له ولا شراب ولا صديق، خرَّ ساجداً وقال‏:‏ «مسَّني الضُّر»، قاله الحسن‏.‏

والخامس‏:‏ أن الله تعالى أوحى إِليه وهو في عنفوان شبابه‏:‏ إِني مبتليك، قال‏:‏ يا رب، وأين يكون قلبي‏؟‏ قال‏:‏ عندي، فصبَّ عليه من البلاء ما سمعتم، حتى إِذا بلغ البلاء منتهاه، أوحى إِليه أني معافيكَ، قال‏:‏ يا رب، وأين يكون قلبي‏؟‏ قال‏:‏ عندك، قال‏:‏ «مسَّني الضُّر»، قاله إِبراهيم بن شيبان القرميسي فيما حدّثنا به عنه‏.‏

والسادس‏:‏ أن الوحي انقطع عنه أربعين يوماً، فخاف هجران ربِّه، فقال‏:‏ «مسَّني الضُّر»، ذكره الماوردي‏.‏

فإن قيل‏:‏ أين الصبر، وهذا لفظ الشكوى‏؟‏

فالجواب‏:‏ أن الشكوى إِلى الله لا تنافي الصبر، وإِنما المذموم الشكوى إِلى الخَلْق، ألم تسمع قول يعقوب‏:‏ ‏{‏إِنما أشكو بَثِّي وحُزْني إِلى الله‏}‏ ‏[‏يوسف‏:‏ 86‏]‏‏.‏ قال سفيان بن عيينة‏:‏ وكذلك من شكا إِلى الناس، وهو في شكواه راضٍ بقضاء الله، لم يكن ذلك جزعاً، ألم تسمع قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لجبريل في مرضه‏:‏ ‏"‏ أجدني مغموماً ‏"‏ و‏"‏ أجدني مكروباً ‏"‏، وقوله‏:‏ ‏"‏ بل أنا وارأساه ‏"‏‏.‏ قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وآتيناه أهله‏}‏ يعني‏:‏ أولاده ‏{‏ومِثْلَهُمْ معهم‏}‏ فيه أربعة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ أن الله تعالى أحيا له أهله بأعيانهم، وآتاه مثلهم معهم في الدنيا، قاله ابن مسعود، والحسن، وقتادة‏.‏ وروى أبو صالح عن ابن عباس‏:‏ كانت امرأته ولدت له سبعة بنين وسبع بنات، فنُشِروا له؛ وولدت له امرأته سبعة بنين وسبع بنات‏.‏

والثاني‏:‏ أنهم كانوا قد غُيِّبوا عنه ولم يموتوا، فآتاه إِياهم في الدنيا ومثلهم معهم في الآخرة، رواه هشام عن الحسن‏.‏

والثالث‏:‏ آتاه الله أجور أهله في الآخرة، وآتاه مثلهم في الدنيا، قاله نوف، ومجاهد‏.‏

والرابع‏:‏ آتاه أهله ومثلهم معهم في الآخرة، حكاه الزجاج‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏رحمةً مِنْ عندنا‏}‏ أي‏:‏ فعلنا ذلك به رحمةً مِنْ عندنا، ‏{‏وذِكرى‏}‏ أي‏:‏ عِظةً ‏{‏للعابدين‏}‏ قال محمد بن كعب‏:‏ من أصابه بلاء فليذكر ما أصاب أيوب، فليقل‏:‏ إِنه قد أصاب من هو خيرٌ مني‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وذا الكفل‏}‏ اختلفوا هل كان نبيّاً، أم لا‏؟‏ على قولين‏.‏

أحدهما‏:‏ أنه لم يكن نبيّاً، ولكنه كان عبداً صالحاً، قاله أبو موسى الأشعري، ومجاهد‏.‏ ثم اختلف أرباب هذا القول في علَّه تسميته بذي الكفل على ثلاثة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ أن رجلاً كان يصلِّي كلَّ يوم مائة صلاة فتوفي، فكفل بصلاته، فسمِّي‏:‏ ذا الكفل، قاله أبو موسى الأشعري‏.‏

والثاني‏:‏ أنه تكفل للنبيّ بقومه أن يكفيه أمرهم ويقيمه ويقضي بينهم بالعدل، ففعل، فسمِّي‏:‏ ذا الكفل، قاله مجاهد‏.‏

والثالث‏:‏ أن ملِكاً قَتل في يوم ثلاثمائمة نبيٍّ، وفرَّ منه مائة نبيٍّ، فكفلهم ذو الكفل، يطعمهم ويسقيهم حتى أُفلتوا، فسمِّي‏:‏ ذا الكفل، قاله ابن السائب‏.‏

والقول الثاني‏:‏ أنه كان نبيّاً، قاله الحسن، وعطاء‏.‏ قال عطاء‏:‏ أوحى الله تعالى ‏[‏إِلى‏]‏ نبيّ من الأنبياء‏:‏ إِني أُريد قبض روحك، فاعرض مُلكك على بني إِسرائيل، فمن تكفَّل لك بأنه يصلِّي الليل لا يفتر، ويصوم النهار لا يفطر، ويقضي بين الناس ولا يغضب، فادفع مُلككَ إِليه، ففعل ذلك، فقام شابّ فقال‏:‏ أنا أتكفَّل لك بهذا، فتكفَّل به، فوفى، فشكر اللهُ له ذلك، ونبَّأه، وسمِّي‏:‏ ذا الكفل‏.‏ وقد ذكر الثعلبي حديث ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الكفل‏:‏ ‏"‏ أنه كان رجلاً لا ينزع عن ذنب، وأنه خلا بامرأة ليفجر بها، فبكت، وقالت‏:‏ ما فعلتُ هذا قطّ، فقام عنها تائباً، ومات من ليلته، فأصبح مكتوباً على بابه‏:‏ قد غفر الله للكفل ‏"‏؛ والحديث معروف، وقد ذكرتُه في «الحدائق»، فجعله الثعلبي أحد الوجوه في بيان ذي الكفل، وهذا غلط، لأن ذلك اسمه الكفل، والمذكور في القرآن يقال له‏:‏ ذو الكفل، ولأن الكفل مات في ليلته التي تاب فيها، فلم يمض عليه زمان طويل يعالج فيه الصبر عن الخطايا‏.‏ وإِذا قلنا‏:‏ إِنه نبيّ، فإن الأنبياء معصومون عن مثل هذا الحال‏.‏ وذكرت هذا لشيخنا أبي الفضل بن ناصر رحمه الله تعالى، فوافقني، وقال‏:‏ ليس هذا بذاك‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏كُلٌّ من الصابرين‏}‏ أي‏:‏ على طاعة الله وترك معصيته، ‏{‏وأدخلناهم في رحمتنا‏}‏ في هذه الرحمة ثلاثة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ أنها الجنة، قاله ابن عباس‏.‏

والثاني‏:‏ النبوَّة، قاله مقاتل‏.‏

والثالث‏:‏ النِّعمة والموالاة، حكاه أبو سليمان الدمشقي‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏87- 88‏]‏

‏{‏وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ‏(‏87‏)‏ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ‏(‏88‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وذا النُّون‏}‏ يعني‏:‏ يونس بن متّى‏.‏ والنون‏:‏ السمكة؛ أُضيف إِليها لابتلاعها إِياه‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِذ ذهب مغاضِباً‏}‏ قال ابن قتيبة‏:‏ المُغاضَبة‏:‏ مُفاعَلة، وأكثر المفاعَلة من اثنين، كالمناظَرة والمجادَلة والمخاصَمة، وربما تكون من واحد، كقولك‏:‏ سافرت، وشارفت الأمر، وهي هاهنا من هذا الباب‏.‏ وقرأ أبو المتوكل، وأبو الجوزاء، وعاصم الجحدري، وابن السميفع‏:‏ «مُغْضَباً» باسكان الغين وفتح الضاد من غير ألف‏.‏

واختلفوا في مغاضبته لمن كانت‏؟‏ على قولين‏.‏

أحدهما‏:‏ أنه غضب على قومه، قاله ابن عباس، والضحاك‏.‏ وفي سبب غضبه عليهم ثلاثة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ أن الله تعالى أوحى إِلى نبي يقال له‏:‏ شعيا‏:‏ أن ائت فلاناً الملك، فقل له‏:‏ يبعث نبيّاً أميناً إِلى بني إِسرائيل، وكان قد غزا بني إِسرائيل ملك، وسبا منهم الكثير، فأراد النبي والملك أن يبعثا يونس إِلى ذلك الملك ليكلِّمه حتى يرسلَهم، فقال يونس لشعيا‏:‏ هل أمرك الله باخراجي‏؟‏ قال‏:‏ لا، قال‏:‏ فهل سماني لك‏؟‏ قال‏:‏ لا، قال‏:‏ فهاهنا غيري من الأنبياء، فألَحُّوا عليه، فخرج مغاضباً للنبيّ والملك ولقومه، هذا مروي عن ابن عباس؛ وقد زدناه شرحاً في ‏[‏يونس‏:‏ 98‏]‏‏.‏

والثاني‏:‏ أنه عانى من قومه أمراً صعباً من الأذى والتكذيب، فخرج عنهم قبل أن يؤمنوا ضجراً، وما ظنَّ أن هذا الفعل يوجب عليه ما جرى من العقوبة، ذكره ابن الأنباري‏.‏ وقد روي عن وهب بن منبه، قال‏:‏ لما حُملت عليه أثقالُ النبوَّة، ضاق بها ذرعاً ولم يصبر، فقذفها من يده وخرج هارباً‏.‏

والثالث‏:‏ أنه لمَّا أوعدهم العذاب، فتابوا ورُفع عنهم، قيل له‏:‏ ارجع إِليهم، فقال‏:‏ كيف أرجع فيجدوني كاذباً‏؟‏ فانصرف مغاضباً لقومه، عاتباً على ربِّه‏.‏ وقد ذكرنا هذا في ‏[‏يونس‏:‏ 98‏]‏‏.‏

والثاني‏:‏ أنه خرج مغاضباً لربِّه، قاله الحسن، وسعيد بن جبير، والشعبي، وعروة‏.‏ وقال أبو بكر النقاش‏:‏ المعنى‏:‏ مغاضباً من أجل ربِّه، وإِنما غضب لأجل تمرُّدهم وعصيانهم‏.‏ وقال ابن قتيبة‏:‏ كان مَغِيظاً عليهم لطول ما عاناه من تكذيبهم، مشتهياً أن ينزل العذاب بهم، فعاقبه الله على كراهيته العفو عن قومه‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فظَنَّ أن لن نَقْدِرَ عليه‏}‏ وقرأ يعقوب‏:‏ «يُقَدَّر» بضم الياء وتشديد الدال وفتحها‏.‏ وقرأ سعيد بن جبير، وأبو الجوزاء، وابن أبي ليلى‏:‏ «يُقْدَرَ» بياء مرفوعة مع سكون القاف وتخفيف الدال وفتحها‏.‏ وقرأ أبو عمران الجوني‏:‏ «يَقْدِرَ» بياء مفتوحة وسكون القاف وكسر الدال خفيفة‏.‏ وقرأ الزهري، وابن يعمر، وحميد بن قيس‏:‏ «نُقَدِّرَ» بنون مرفوعة وفتح القاف وكسر الدال وتشديدها‏.‏ ثم فيه ثلاثة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ أن لن نقضي عليه بالعقوبة، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، وقتادة، والضحاك‏.‏ قال الفراء‏:‏ معنى الآية‏:‏ فظن أن لن نقدر عليه ما قدرنا من العقوبة، والعرب تقول‏:‏ قَدَر، بمعنى‏:‏ قَدَّر، قال أبو صخر‏:‏

ولا عَائداً ذاكَ الزمانُ الذي مضى *** تباركتَ مَا تَقْدِرْ يَكُنْ ولكَ الشُّكرُ

أراد‏:‏ ما تقدِّر، وهذا مذهب الزجاج‏.‏

والثاني‏:‏ فظن أن لن نضيِّق عليه، قاله عطاء‏.‏ قال ابن قتيبة‏:‏ يقال‏:‏ فلان مُقَدَّر عليه، ومُقَتَّر عليه، ومنه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَقَدَرَ عليه رِزقَه‏}‏ ‏[‏الفجر‏:‏ 16‏]‏ أي‏:‏ ضيَّق عليه فيه‏.‏ قال النقاش‏:‏ والمعنى‏:‏ فظن أن لن يضيّق عليه الخروج، فكأنَّه ظن أن الله قد وسّع له، إِن شاء أن يقيم، وإِن شاء أن يخرج، ولم يؤذّن له في الخروج‏.‏

والثالث‏:‏ أن المعنى‏:‏ فظن أنه يعجز ربه، فلا يقدر عليه، رواه عوف عن الحسن‏.‏ وقال ابن زيد، وسليمان التيمي‏:‏ المعنى‏:‏ أفظنَّ أن لن نَقْدِر عليه؛ فعلى هذا الوجه يكون استفهاماً قد حُذفت ألفه؛ وهذا الوجه يدل على أنه من القدرة، ولا يتصوّر إِلا مع تقدير الاستفهام، ولا أعلم له وجهاً إِلا أن يكون استفهام إِنكار، تقديره‏:‏ ما ظنّ عجزنا، فأين يهرب منا‏؟‏‏!‏‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فنادى في الظلمات‏}‏ فيها ثلاثة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ أنها ظلمة البحر، وظلمة بطن الحوت، وظلمة الليل، قاله سعيد ابن جبير، وقتادة، والأكثرون‏.‏

والثاني‏:‏ أن حوتاً جاء فابتلع الحوت الذي هو في بطنه، فنادى في ظلمة حوت، ثم في ظلمة حوت، ثم في ظلمة البحر، قاله سالم ابن أبي الجعد‏.‏

والثالث‏:‏ أنها ظلمة الماء، وظلمة مِعى السمكة، وظلمة بطنها، قاله ابن السائب‏.‏ وقد روى سعد بن أبي وقاص عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏"‏ إِني لأعلم كلمة لا يقولها مكروب إِلا فرج الله عنه، كلمة أخي يونس‏:‏ فنادى في الظلمات أن لا إِله إِلا أنت، سبحانك إِني كنت من الظالمين ‏"‏ قال الحسن‏:‏ وهذا اعتراف ‏[‏من‏]‏ يونس بذنْبه وتوبة من خطيئته‏.‏ قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فاستجبنا له‏}‏ أي‏:‏ أجبناه ‏{‏ونجَّيناه من الغَمِّ‏}‏ أي‏:‏ من الظلمات ‏{‏وكذلك نُنْجِي المؤمنين‏}‏ إِذا دعونا‏.‏ وروى أبو بكر عن عاصم أنه قرأ‏:‏ «نُجّي المؤمنين» بنون واحدة مشددة الجيم؛ قال الزجاج‏:‏ وهذا لَحْنٌ لا وجه له، وقال أبو علي الفارسي‏:‏ غلط الراوي عن عاصم، ويدل على هذا إِسكانه الياء من «نُجّي» ونصب «المؤمنين»، ولو كان على ما لم يُسم فاعله ما سكّن الياء، ولرفع «المؤمنين»‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏89- 92‏]‏

‏{‏وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ ‏(‏89‏)‏ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ ‏(‏90‏)‏ وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آَيَةً لِلْعَالَمِينَ ‏(‏91‏)‏ إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ ‏(‏92‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لا تذرني فرداً‏}‏ أي‏:‏ وحيداً بلا ولد ‏{‏وأنت خير الوارثين‏}‏ أي‏:‏ أفضل من بقي حياً بعد ميت‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وأصلحنا له زوجه‏}‏ فيه ثلاثة أقوال‏.‏

أحدها‏:‏ أُصلحت للولد بعد أن كانت عقيماً، قاله ابن عباس، وسعيد بن جبير، وقتادة‏.‏

والثاني‏:‏ أنه كان في لسانها طول، وهو البذاء، فأُصلحت، قاله عطاء‏.‏ وقال السدي‏:‏ كانت سليطة فكفَّ عنه لسانها‏.‏

والثالث‏:‏ أنه كان خُلُقها سيّئاً، قاله محمد ابن كعب‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنهم كانوا يسارعون في الخيرات‏}‏ أي‏:‏ يبادرون في طاعة الله‏.‏ وفي المشار إِليهم قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ زكريا، وامرأته، ويحيى‏.‏

والثاني‏:‏ جميع الأنبياء المذكورون في هذه السورة‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ويدعوننا‏}‏ وقرأ ابن مسعود، وابن محيصن‏:‏ «ويدعونا» بنون واحدة‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏رَغَباً ورَهَباً‏}‏ أي‏:‏ رغباً فيما عندنا، ورهباً منا‏.‏ وقرأ الأعمش‏:‏ «رُغْباً ورُهْباً» بضم الراءين وجزم الغين والهاء، وهما لغتان مثل النُّحْل، والنَحَل، والسُّقْم، والسَّقَم، ‏{‏وكانوا لنا خاشعين‏}‏ أي‏:‏ متواضعين‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏والتي أحصنت فرجها‏}‏ فيه قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ أنه مخرج الولد، والمعنى‏:‏ منعته مما لا يحل‏.‏ وإِنما وُصِفَتْ بالعفاف لأنها قُذفت بالزنا‏.‏

والثاني‏:‏ أنه جيب درعها‏.‏ ومعنى الفرج في اللغة‏:‏ كل فرجة بين شيئين، وموضع جيب درع المرأة مشقوق، فهو يسمى فرجاً‏.‏ وهذا أبلغ في الثناء عليها، لأنها إِذا منعت جيب درعها، فهي لنفسها أمنع‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فنفخنا فيها‏}‏ أي‏:‏ أمرنا جبريل، فنفخ في درعها، فأجرينا فيها روح عيسى كما تجري الريح بالنفخ‏.‏ وأضاف الروح إِليه إِضافة الملك، للتشريف والتخصيص ‏{‏وجعلناها وابنها آية‏}‏ قال الزجاج‏:‏ لما كان شأنهما واحداً، كانت الآية فيهما آية واحدة، وهي ولادة من غير فحل‏.‏ وقرأ ابن مسعود، وابن أبي عبلة‏:‏ «آيتين» على التثنية‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ هذه أُمَّتُكم‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ المراد بالأُمَّة هاهنا‏:‏ الدّين‏.‏ وفي المشار إِليهم قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ أنهم أُمة محمد صلى الله عليه وسلم، وهو معنى قول مقاتل‏.‏

والثاني‏:‏ أنهم الأنبياء عليهم السلام، قاله أبو سليمان الدمشقي‏.‏ ثم ذكر أهل الكتاب، فذمَّهم بالاختلاف، فقال تعالى‏:‏ ‏{‏وتقطَّعوا أمرهم بينهم‏}‏ أي‏:‏ اختلفوا في الدِّين، ‏{‏فمن يعمل من الصالحات‏}‏ أي‏:‏ شيئاً من الفرائض وأعمال البِرِّ ‏{‏فلا كفران لسعيه‏}‏ أي‏:‏ لا نجحد ما عمل، قاله ابن قتيبة، والمعنى‏:‏ أنه يقبل منه، ويثاب عليه ‏{‏وإِنا له كاتبون‏}‏ ذلك، نأمر الحفظة أن يكتبوه لنجازيَه به‏.‏